مينا نبيل -سيدهم كمحاولة جيدة للقفز من دور “المصور”

مينا نبيل -سيدهم كمحاولة جيدة للقفز من دور “المصور”

كتب :علي حسين العدوي

“مينا نبيل” المخرج والمصور وأحد أعمدة ستوديو “فيج ليف” له ثلاثة أفلام “سفر الدخول” و”بعيدا عن الحرارة” وأخيرا “سيدهم”. شاهدت منهم الفيلمين الأخيرين.

مينا نبيل

يصنع مينا أفلاما قصيرة المدة بحق، فيلمان 7 دقائق، و”سيدهم” 11 دقيقة. من يشاهد أيا من أعماله لا يستطيع أن يغفل الجهد الكبير على العمل، والتركيز على الصورة والبناء البصري للفيلم، حيث أن مينا بجوار إخراج أفلامه فقد أصبح من الأسماء المعروفة في الإسكندرية ومصر في أوساط السينما المستقلة أو البديلة في مجال التصوير السينمائي.

في “بعيدا عن الحرارة” يتضح هذا الاهتمام بالصورة والتكوين البصري والقبض على تفاصيله، ومهارة التصوير الليلي وفي إضاءة قليلة (خارجي وداخلي) والتركيز على السرد بالصورة وشريط الصوت ودون حوار تقريبا، والانتقال عبر تقطيع مناسب وغير مزعج بإيقاع الفيلم من صيدلي يجلس وحيدا في وردية ليل في الصيدلية التي يعمل بيها يشعر بالوحدة وسط علب الأدوية والملل، ويسلي وقته بالاستماع إلى حفلة “أم كلثوم” حتى تنقطع الكهرباء فجأة، ويجد الصيدلي نفسه في مواجهة هياج مدمن –قام بدوره “سعيد قابيل” في أداء جيد- يراه على ضوء ولاعة. يتوتر الإيقاع على إثر طلب الدواء المخدر بورقة دون حاجة –فعلية للكلام– وهذه نقطة قوة نجدها في هذا الفيلم ثم في سيدهم فيما بعد، يبني مينا فيلمه دراميا، ويسرد قصة -لا تحتاج إلى كلام بطبيعتها دون افتعال- صورا تستعيض عن حوار، لكن نجد الصورة كحل درامي طبيعي جدا ضمن بنية الفيلم. ينتهي الفيلم بمفارقة أن المدمن تعاطي المخدر لكن يبدو كأنه مات أو غاب عن الوعي، ويترك الصيدلي الخائف منه على حياته حائرا وراء قضبان الباب المغلق.

يبدو “بعيدا عن الحرارة” كموقف أو مشهد مكتمل من فيلم أطول، يبدو كاستعراض مهارة وصنعة مخرج هو بالأساس مصوّر شاطر.

لقطة من فيلم بعيدا عن الحرارة إنتاج 2011

بعد سنتين تقريبا، أعتقد أن خبرة مينا كمخرج أخذت وقتها لتختمر وتتطور وتختلف ليخرج “سيدهم” إلى النور.

في “سيدهم” إنتاج تعاون بين منحة “البلازا” وستوديو “فيج ليف” تتعقب كاميرا مينا نبيل سيدهم الصياد، أو الذي يهوي الصيد ويبدو جديا في ذلك ومنضبطا حتى لا يتأخر على بكور الصيد الصابح –يضبط ساعته على ساعة مسجد القائد إبراهيم– ويتجه غربا إلى المكس، تحديدا منطقة فنار المكس وسط السفن الكبيرة والمنطقة الصناعية. يجلس على الصخر ومعه ثلاثة صيادين آخرين ضمن صورة زرقاء صافية تتداخل فيها زرقة البحر والسماء.

تتحرك الكاميرا على الشاطيء الصخري، وتأخذنا أكثر إلى تفاصيل مشهد الصيد بالسنارة. من تلقيم الطعم سواء بالجمبري الصغير أو العجينة، نرى تنوع زملاء سيدهم في الصيد؛ حيث ذلك الذي يبدو حكيما محافظا بزبيبة صلاة، وآخر شاب يبدو (صايع) وغير مكترث لشيء و السيجارة لا تفارق طرف فمه، إلى من يبدو واثقا خبيرا صبغت الشمس وجهه بسمرة من كثرة الصيد أمام البحر من الصباح حتى المغرب. نستشعر أجواء المنافسة بينهم على التقاط السمك لكن صاحبنا “سيدهم” يبدو عليه الملل والخيبة والفشل؛ فهو لم يصطد شيئا، شعر بالملل، ذهب لينام قليلا وعاد ليكمل، فلم يصطد سوى رأس سمكة رماها ثانية في البحر.

لقطة من فيلم سيدهم انتاج ٢٠١٣

ثم يأتي فجاة من السماء، رجل في مركب، غير مهندم في ملبسه ولا مظهره، لاهيا عابثا كالقدر؛ كقدر الحياة.

يبدو القدر رأسماليا، يحاول هندمة نفسه ليقايض السمك بصناديق هدايا أو مال. يشعر سيدهم بالحنق، وفجأة يخرج مسدسا من حقيبته كأنه يخرج قوة خفية منسية تجعل من “سيدهم” (سيّدهم) بالفعل، يخاف الصيادون ويركضون وتقع صناديقهم.

يقف “سيدهم” حائرا ماذا يفعل بالمسدس؟! أمام إبتسامة سخرية خفيفة على وجه الرجل كأنها تعكس مدى عبثية المشهد والحياة من حوله.

يرى “سيدهم” سمكة كبيرة جدا، أكبر من كل ما اصطادوه، يراها أمامه في مياه الشاطيء، يقتلها ويعطيها للرجل ويأخذ نصيبه في صندوق.

جاءت موسيقى “سمير نبيل” هادئة تغلف الصورة ولا تزاحمها، وتعطي المشاهد فرصة لتأمل المشهد. كذلك كان أداء الممثلين مرضيا.

هذا الانحياز البصري للسرد بالصورة عند “مينا نبيل”  في سيناريو محكم لفيلم قصير مثل “سيدهم” وقصة بسيطة ذات تمثيلات واضحة، والتقشف في الكلام، وحذف الحوار قدر الإمكان طالما ليس له داعي، كلها عوامل قوة لصنع أفلام جيدة وممتعة أتمنى أن تبني فيما بعد صورا أكثر تركيبية وتمثيلية.

تریلر

2018-05-24T03:58:37+00:00

Leave A Comment