مدخل إلى أندريه بازين

مدخل إلى أندريه بازين

الجزء الاول: نظرية أسلوب الفيلم في سياقها التاريخى

عودة إلى آندريه بازين

دوناتو توتارو

المجلد السابع، العدد السابع، يوليو 2013

ترجمة: مروة الناعم

مراجعة: عبدالرحيم يوسف

ما هي السينما؟

بازين

آندريه بازين: ناقد سينمائي ومُنظّر وفيلسوف ولد في 11 أبريل عام 1918 وتوفى في 11 نوفمبر عام 1958. يعتبر بازين أحد أهم نقاد السينما الفرنسيين في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والأب الروحي لحركة Nouvelle Vague  (الموجة الجديدة في السينما الفرنسية).

قبل وفاته في عامه الأربعين كتب بازين سلسة من المقالات ما بين عامي 1944 و1958 والتي تم تجميع معظمها- بلغتها الأصلية – في أربعة مجلدات تحت عنوان: ( ما هي السينما؟). ترجمت بعض المختارات من هذه المجلدات الأربعة بواسطة هيو جراى وقدمت في مجلدين بالانجليزية تحت نفس العنوان بينما ترجمت أعمال أساسية أخرى إلى الإنجليزية  تتضمن (جين رينوار وأورسون ويليز: نظرة نقدية) و(السينما الفرنسية ما بين الاحتلال والمقاومة).

حرر بيرت كاردولو مجموعة من المقالات التى ظهرت مؤخرا- مترجمة للإنجليزية- تحت عنوان: (بازين في العمل: مقالات أساسية ومراجعات من الأربعينات والخمسينات). وهناك مقالات أخرى هامة لم يتم تجميعها موجودة في مجلات:Esprit, Cahiers du Cinema, Les Temps Modernes (الروح، كراسات السينما، العصور الحديثة)

ونظرا لوفرة أعماله، فقد اعتنيت تحديدا في هذه المقدمة بأعماله النظرية دون النقدية فيما يخص الأنواع (أفلام الغرب الأمريكي والواقعية الجديدة) ومقالات نقدية عن أفلام معينة. كما لا يهدف عرضي لهذه  الكتابات في مضمونه إلى التفصيل المرهق لكتاباته قدر ما يعنى بالوصول إلى فهم معتقداته السينمائية. وسوف أحاول من خلال الشرح والتعليق خلق روابط حيوية للوصول إلى صورة مرنة تربط رجلا بتعقيد بازين بأعماله، ولذا وجب التنويه بأن أي لمحة نقدية هنا هي أثر ما تركته كتاباته على منهج التفكير شديد الدقة.

جوهر السينما

يرى بازين أن السينما ظاهرة مثالية وبالتالي فهي تقنية فقط من هذا المنطلق. ولكونه واحدا من ذوي النزعة الإنسانية يعتقد بازين أن الفكرة تتفوق على الوسائل التقنية المعنية بتحقيقها وذلك استنادا على أسبقية النظرية على الإبداع. صنف بازين الرواد الأوائل ذوي الأفضلية مثل: Muybridge, Niepce, Leroy, Demeny, Joy, Edison, Lumiere  على أنهم “صناعيون بارعون” في أفضل الأحوال. وقام بازين فيما بعد من خلال مقالته الشهيرة الآن (تطور لغة السينما) باستقراء ما أسماه ” الفكرة فارضة التقنية” وذلك من خلال رؤيته للموضوعات التي يفرض تعقيدها حتمية خلق شكل / أسلوب جديد. يعتقد بازين بأن السينما واقعية في الأساس بسبب آلية الكاميرا- الوسيط. وذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن تكون السينما “موضوعية” بأي معنى آخر قد تحمله الكلمة سوى “النسبية”، بينما يجب أن تترفع السينما عن أية تأثيرات أيديولوجية أو ثقافية وذلك كما أشار العديد من زملائه النقاد. ما يفعله بازين بهذه الحقيقة هو وضع السينما فوق التصوير الزيتي بتفضيله الكاميرا على الفرشاة كونهما وسائط لمحاكاة الواقع. فالسينما قادرة إلى حد أبعد على سرد الحدث في وقته واضعة “بصمة الدوام على العمل” مما يجعلها أعلى من التصوير الفوتوغرافي. وعلى الرغم من أن إمكانية تدخل الانسان قائمة – أيا كانت آلية التدخل – يعتقد بازين أن صانع الأفلام ملزم بتحميل مادته تعقيدات الواقع وذلك منعا للزيف الذى تطرحه المعالجات غير الموضوعية والوسائط الشكلية المفتعلة. كما يتحدث بازين عن أسطورة السينما الشمولية باعتبارها انعكاسا للهوس النفسي والأخلاقي للجنس البشري بتصوير الواقع في الفن1. ربما كانت تلك إحدى وسائل مقاومة الفناء حيث أنه لطالما حاولت الإنسانية بشكل أو بآخر الحفاظ على ذلك الهوى. كذلك ينوه براكاش يانجر في مناقشاته الضمنية من خلال مقالته: ” خارج الشاشة” عن وجود رابطة أخلاقية ما بين الواقع وممارسة الإبداع الفني وتلقي الجماهير للفنون، وهي العلاقة التي تتناول الممارسة والنظرية “الجمالية” لبازين. لا تقوم الرابطة الأخلاقية بالتحايل على الأيديولوجي بقدر ما تفسح مجالا من خلال تلك العقائد المصمتة وذلك لإدراك ” الواقعية الحقيقية”، أطلق براكاش على تلك التقنية : “الواقعية المزيفة”.

 

وبتطور الزمن تطورت الوسائل الفنية لمحاكاة الواقع من الرسوم الجدارية في الكهوف وعلى الأسقف إلى التحنيط إلى النحت ثم التصوير الزيتى ثم التصوير الفوتوغرافي تطورا حتى الآن- إلى الصورة الأكثر إقناعا وهى السينما. وقد تفوقت السينما من بين كل هذه الوسائل على نظائرها في مهمة محاكاة الواقع. يرى بازين كل درجة من درجات سلم التطور السينمائي بأنها خطوة في محاكاة أكثر واقعية للعالم وذلك من خلال الصوت، اللون، العمق، البعد الثالث.. إلخ. واستنادا على إيمانه بأن جذور الفن تكشف عن هويته، فإن سعي السينما نحو الواقعية يدعم دعوته لسينما موضوعية وخالصة. تلك “الأسطورة” التي نشأت مع بدايات السينما تعد بمثابة المحك الذي تطورت السينما تدريجيا في اتجاهه.

ويعود معظم الارتباك المحيط بكتابات بازين – وفي الحقيقة هو اهتمام رئيسي في مبادئ نظرية الفيلم – إلى العلاقة بين الصورة السينمائية ونظيرتها فى الواقع. السؤال هنا هو كيف يفسر بازين هذه العلاقة؟

يصف بازين تلك العلاقة على النحو التالي:

  1. الصورة الفوتوغرافية هي “نوع من الاسطامبة أو النقل”
  2. “الصورة الفوتوغرافية هي الموضوع في حد ذاته مجردا من هيمنة الزمان والمكان”
  3. الفوتوغرافيا تجمد الزمن
  4. “تتقاسم الصورة الفوتوغرافية في حد ذاتها مع الموضوع وجودا مشتركا، على طريقة بصمة الأصابع”
  5. لا تعد الصورة في أى حال من الأحوال صورة الشيء أو الشخص، بل بالأحرى هي اقتفاء لأثر الصورة”
  6. “تسعى الصورة الفوتوغرافية … إلى التقاط انطباع نوراني واضح في الضوء – إلى قالب ما. وهي بذلك تحمل معها ما هو أكثر من التشابه، أي نوع ما من التطابق…”
  7. ” السينما … تصنع أثرا لدوام الموضوع”

الكلمات2 التي يستخدمها بازين مترادفة المعنى بشكل أساسي مثل: الاسطامبة، النقل، البصمة، اقتفاء الأثر، القالب، الأثر. مفردات توحي أصداؤها بعلاقة شبه صوفية بين الموضوع ونظيره الفوتوغرافي. وبالنظر الى تأثير خلفية بازين الكاثوليكية القوية قد يكون أو لا يكون من السذاجة المفرطة الإشارة عند هذه النقطة إلى حضور ضمني لأصداء دينية في النقطة الثانية والثالثة السابق ذكرهما: ففي النقطة الثانية يقول بازين أن الصورة الفوتوغرافية هي الموضوع نفسه “مجردا” فقط من فكرة الزمان والمكان. و”بتجريد” الموضوع، يُضمّن بازين شكلا من الخلاص أو التجاوز نحو صعيد أخلاقي/ روحي أعلى. كذلك يظهر هذا الصدى الروحاني في النقطة السادسة باستخدامه لهذه الكلمات “انطباع نوراني واضح في الضوء.” فهل يمكن أن تصبح المحاكاة الفوتوغرافية جوهرا/ روحا لنظائرها فى الواقع على المستوى الرمزى؟ حتى عندما يدافع بازين فى مقالته: “La Technique du Citizen Kane” 3 عن ويليز ضد اتهامات جورج سادول له بانعدام الأصالة فإنه يخلص  إلى فكرة روحانية مؤداها أن ويليز – الفنان الحديث – قد ترك وراءه (من خلال أفلامه) “صدى لم نعرف له مثيلا من قبل” (كما ترجمت). أقدم هذا كتأويل محتمل لما حملته كتابات بازين من نبرة مجازية استعارية مستمرة فيما يخص العلاقة بين الموضوع / الشيء ونظيره السينمائي.

تطور لغة السينما: نظرة حول الأساليب السينمائية

في هذا الجزء سأقوم بطرح نقاشات بازين الحيوية حول التطور التاريخي لأساليب السينما. وأعتقد بأنه من الضروري لفت النظر بأن الهدف هنا هو شرح ذلك المسار تفصيليا أكثر من تحديد موقعه من بين أفكار بازين النظرية الأوسع. وأعترف هنا أنه بربط تحليل بازين للغة السينمائية بأهدافه الفلسفية والنظرية الأكبر سيتم تقويض حتى تلك الانتقادات البسيطة التي طرحتها فيما يخص تطبيقه الدقيق للنمط الواقعي.

مع تفوق الواقعية كهدف نهائي، كتب بازين رؤية تاريخية رصينة لتطور اللغة السينمائية حيث لم تكن القفزة من السينما الصامتة للسينما الناطقة أهم سمات ذلك التطور. سوف تجيء تلك النقلة لاحقا بعد سنوات (في عامي 1940 و1941). شكلت الفترة الصامتة نقطة البدء في طرح بازين التاريخي. يضع بازين – موظفا منهجا أسلوبيا وشبه تأليفي – جميع  المخرجين خلال الفترة ما بين عامى 1920 و1940 في مجموعتين: واحدة تعتمد على الصورة (التصويريون) والأخرى معتمدة على الواقع (الواقعيون). وتنقسم المدرسة الأولى (التصويريون) إلى معسكرين: هؤلاء الذين يعملون على التشكيل: (الإضاءة، الديكور، التأليف، التمثيل) وهؤلاء الذين يعملون على التحرير (المونتاجيون). لا يشوه الواقعيون الزمن (كما يفعل المونتاجيون) ولا المكان (كما يفعل التعبيريون) ولكنهم يحاولون تصوير الواقع على حقيقته. ويُعد Robert Flaherty, Ericvon Stroheim, F.W. Muranau, Jean Renoir, Carl Dreyer من أكبر دعاة المدرسة الواقعية. بينما ينقسم المونتاجيون إلى معسكرين يتميز كلاهما بالإطار الزمني المعني بظهورهما:

  • من 1920 إلى 1930: (Sergei Eisenstein, D.W. Griffith, Abel Gance )
  • من 1930 إلى 1940 (الأسلوب “الخفي” الأمريكي الكلاسيكي والذي تأثر على ما أعتقد إلى حد كبير بـ Vsevelod Pudvokin)

وقد دفعت نهاية الفترة الصامتة بالمعسكرين التصويريين إلى أوجهما في صورة مذهبين: المذهب التعبيري الانطباعي الألماني (التشكيل) والمذهب السوفييتي لسينما ما بعد الثورة (المونتاجيون). لم تقدم لنا النقلة مابين السينما الصامتة والناطقة دليلا على أي تأثير فوري في مجال التصوير أو أساليب المونتاج. وبنهاية الثلاثينيات دفع الصوت بالمونتاج نحو الواقعية محولا تقنية التقطيع من الرمزي/ التعبيري إلى الدرامي/ التحليلي إلى أن أصبح أسلوب المونتاج معياريا إلى حد ما. وقد وصلت السينما إلى أبهى صورها الكلاسيكية بتناغم المحتوى مع الشكل. وحتى هذا الوقت- 1939- كانت السينما قد وصلت إلى المرحلة التي تم فيها تأسيس معظم الابتكارات التقنية مثل: (اللون، التراك، عربة حمل الكاميرات، الروافع، الزووم، الصوت، شريط الفيلم الحساس للألوان) بحيث لم تصبح النقلة التطورية التالية – لو فرضنا وجود شيء كهذا – مدفوعة بالتقنيات قدر ما هي مدفوعة بالمسألة الموضوعية: الموضوع الأساسي وتأثيره على الجوانب التقنية / الشكلية. وقد أدى ذلك إلى ظهور أسلوب (الميزانسين) والذي هو وفقا لبازين أهم ثورة جمالية فى تاريخ السينما. إذن باختصار ها هو تطور لغة السينما وفقا لبازين:

1915-1928

  • التصويريون:
  • التشكيليون: (إضاءة، ديكور، تأليف، تمثيل)
  • المونتاجيون: (المونتاج)
  • الواقعيون: (اللقطات الطويلة، التصوير في موقع التصوير، المنهج الموضوعي)
  • بحلول عام 1928 اعتلت التعبيرية وسينما السوفييت قمة المدرسة التصويرية.
  • لم تظهر الأفلام الناطقة المبكرة تقدما فوريا في أي من الأسلوبين.
  • بنهاية الثلاثينيات دفعت تقنية الصوت بالمونتاج نحو الواقعية
  • بنهاية الثلاثينيات نشهد تناغما كاملا مابين الشكل والمضمون وكذلك بين الصوت والصورة
  • وصل الفيلم الى شكله المتزن كما ظهر فى Jezebel, Stagecoach, Le Jour Se Leve
  • بحلول عام 1939 تترسخ جميع التطورات التقنية الأساسية، الخطوة الثانية في التطور حفزها مسألة الموضوع

1940

  • الواقعيون:
  • الواقعية الموضوعية الخالصة (الواقعية الجديدة – الوثائقية)
  • الواقعية المكانية (جان رينوار، أورسون ويليز، ويليام ويلير)

تنطوي دراسة بازين لتاريخ التطور على فكرة اكتساح الواقعية للتصويرية بحلول عام 1940. فقد وجد التصويريون أنفسهم – بعدما وصلوا إلى أوج مجدهم في الفترة الصامتة – في مواجهة الواقعيين الذين تفوقوا عليهم بعد فترة النضج الواقعي في الثلاثينيات كما هو موضح بالشكل البياني التالي:

1915- 1930 1931-1935 1936 – 1939
سيطرة التصويريين / خضوع الواقعيين نضج النمط الواقعى ومسايرته للمذهب التصويري سيطرة الأسلوب الواقعي وسقوط التصويرية

وكما حدث في المدرسة التصويرية خلال فترة السينما الصامتة، انقسمت المدرسة الواقعية إلى معسكرين مطورة نمطا جديدا للواقعية فارضة هيمنتها التامة في عام 1940، والمعسكران هما: الواقعيون المكانيون – الواقعيون الموضوعيون الخالصون.

يتماشى التطور التاريخى نحو الواقعية بشكل تام مع مفهوم بازين للسينما في اتجاهها المستمر نحو “الأسطورة” الخالصة عن السينما الكلية. ولأن قوى التاريخ ليست مطيعة بشكل دائم، فلم تظل تلك الحركة ثابتة على صحتها لفترة طويلة. هناك بعض الصدق التاريخي في  مشروع بازين؛ فقد سيطر التصويريون بالفعل خلال الفترة الصامتة كما فعل الواقعيون في أواخر الثلاثينيات، إلا أن أطروحة بازين عن الفترة ما بعد عام 1940 والتي شهدت سيطرة الأسلوب الواقعي لم تلبث حتى وُضعت موضع التساؤل عن طريق حركة / أسلوب *Film Noir وهو نمط منشق من المدرسة التعبيرية الألمانية.  فلن نجد في المجلد الأول والثاني من “ما هي السينما” ولو ملاحظة عابرة عن الـ “Film Noir” أو أفلام الرعب العالمية في الثلاثينيات التي تمت بصلة للمدرسة التعبيرية. ويعد هذا الإغفال مثيرا للدهشة خاصة مع تلك الأدلة المتعاظمة حول بازين والخاصة بالإتجاه التطويري الذي سيسلكه المنطق الديالكتيكي للواقعية / الشكلية: نحو وجود متناغم يصبح فيه الاتجاهان- بشكل أكثر أو أقل- حالتين مؤثرتين متساويتين وقابلتين للتبادل تنتميان لشكل فني معقد. 4

كما أود أن أضيف أنه تأكيدا لنظريته الوجودية الزمكانية في الواقعية، قام بازين بالتقليل من أهمية التحول الصوتي. فقد أدرك أهمية مرحلة الصوت للمدرسة الواقعية مما يلغي الحاجة إلى التعبيرية و”الاصطناع” واللذين شكلا جزءا كبيرا من السينما الصامتة. ومع ذلك تغاضى بازين فقط عن مدى أهمية التأثير النفسي الذي لعبه الصوت في تحقيق انطباع واقعي وفي الإحساس بالمكان والعمق واللذين شكلا أهمية كبيرة له. أغفل بازين قيمة الصوت على الرغم من أهميته الكبيرة للسينما الواقعية وذلك حتى لا يتعارض مع نظريته الزمكانية. حيث أكد بشكل أوضح على الدور السيكولوجي الذي تلعبه الصورة؛ فلربما كان التغاضي عن دور الصوت نابعا من عدم ظهور نظريات للصوت بعد فى الخطاب العام للتحليل السينمائي. ولا يزال حتى الآن يتم استبعاد العنصر السمعي من قبل الكثيرين عند مناقشة اقتراب السينما من الواقعية في مقابل الفنون الأخرى.

كما وجب عليَّ أن أنوه عن نقطة خلاف صغيرة أخيرة؛ فبتضمينه لـ مورنو ودراير كواقعيين وقع بازين في نفس الخطأ الذي ارتكبه Seigfried Kracauer عندما قبل مشاهد فانتازية / شكلانية بعينها عندما تكون في سياق “واقعي” مناسب مثل الأحلام أو بعض وجهات النظر (Tudor 94). يتخبط بازين عندما يستبعد فيلمي عاطفة جان دارك و نوسفيراتو من الحالة التعبيرية استنادا على قاعدة ضعيفة وهي اعتماد نوسفيراتو على التصوير الفوتوغرافي في المكان؛ وكذلك لامتناع دراير عن استخدام المكياج مع الممثلين (المجلد الأول من ما هي السينما لبازين صفحة 109- 110). وهنا نطرح بعض التساؤلات: ماذا عن ظلال نوسفيراتو التشاؤمية وصوره النيجاتيف والحركة السريعة والتمثيل التعبيري، وما الذي آل إليه فيلم عاطفة جان دارك بتجريده للمكان واعتماده البالغ على الصورة المقربة؟ فى كلتي الحالتين لم تستطع الميول الواقعية الهزيلة تعويض ماحققه ويليز من تداخل فني طاغٍ في الواقعية المكانية على سبيل المثال. فلم ينجح كلا الفيلمين بالقدر الكافي للتأهل سواء لمدرسة بازين الواقعية (الوثائقية)- مثلما استطاعت الواقعية “الخالصة” – أو الواقعية المكانية. ومع ذلك يمكننا الجدل فيما يخص نوسفيراتو كونه “أكثر واقعية” من أفلام تعبيرية أخرى في ذلك الوقت، وأن فيلم عاطفة جان دارك فريد ومتمرد في أسلوبه لدرجة أن تأثيره على المتفرج هو تأثير فيلم ينتمي للمذهب الواقعي.

عمق المجال

وبالإشارة الى ميل بازين نحو أسلوب الميزانسين سوف أناقش الآن أسباب اختياره لهذا الأسلوب. يعرف الميزانسين بأنه أسلوب اللقطة الطويلة / عمق المجال وقد اجتذب هذا النمط بازين لسببين جوهريين:

  • حافظ على وحدة المكان وعلى العلاقة التى تربط الأشياء داخل ذلك المكان
  • أعطى المشاهد- بحسب رأى بازين- حرية توجيه تحكمه/تحكمها على عملية المشاهدة بما فى ذلك ما يُنظر اليه وبأى ترتيب ولأى مدة زمنية، وخلق توليفاتهم الخاصة فيما يخص عملية المشاهدة. فتعمل كل هذه الأشياء على الحفاظ على غموض ذلك المكان – الغموض الوجودي الماثل في كل ما يحيط بنا في الحياة.

فبإمكان نمط الميزانسين دمج أسلوبين مختلفين أحدهما شبه وثائقي- حيث “تسمح لنا الكاميرا برؤية” الحدث (الواقعية الحديثة)- والآخر هو تأويل للواقع أكثر جمالية حيث تأتي الواقعية فقط من احترام وحدة المكان (ويليز، أندريا تاركوفسكي، ثيو أنجيلوبولوس).

وجود عمق المجال هو جزء لا يتجزأ في أسلوب الميزانسين. وقد كتب بازين بشكل تام عن ذلك الجانب فى مقاله Pour en Finir Avec La Profondeur de Champ  (كلماتي النهائية عن عمق المجال) (كراسات السينما ص 17 – 23). حيث تبدأ هذه المقالة (كما ترجمت) بما يفيد بأن ذلك العمق ينتمي للمجال التقني فقط عن طريق المصادفة:

“لو كان عمق المجال يهمنا فذلك فقط بمحض الصدفة كتطور تقني في أسلوب التصوير، وبشكل أساسي كثورة الميزانسين أو نتيجة القطع decoupage  على وجه التحديد.” ص 19

وهنا يرسخ بازين نواة توازن هذه المقالة؛ حيث يقوم بدراسة نموذج من فيلم لويس فويلاد Onesime (Louis Feuillade) عام 1910 ويرى في تركيبة العمق والتركيز السلس فيه بداية لما تطور فيما بعد إلى أسلوب عمق مجال أكثر صقلا. تظهر الشخصية الرئيسية في الجانب الأيسر من اللقطة التصويرية مع تضخيم للصورة بحيث تظهر الشخصية الثانوية على يمين خلفية الإطار (ترجمتي):

“شيء ما بعيدا عن عبقرية فويلاد سمح له بشكل عفوي باكتشاف إطار تنبؤي مثل المخطط التجريبي للَّقطة التى استخدمها رينوار أو ويليز. ففي هذه الحالة لم يعتبر ذلك الاكتشاف نابعا من العبقرية، بل من الضرورة- لم يكن لديه اختيار (ص 20).”

في ظل التقنية المتعارف عليها في عام 1910 تنجح اللقطة بشكل جزئي؛ فكلا السطحين مرئيان في حين اتسمت الخلفية بالنعومة. ومرة أخرى في ظل حالة التصوير السينمائي (للحصول على صورة واضحة) وفي ظل وجود حالة من الوعي بين الجمهور، ظهرت الخلفيات الناعمة بشكل مُسلَّم به. ومع تحسن أسلوب تصويرعمق المجال وما يوازيه من تطور في وعي جمهور المشاهدين، أصبحت البؤرة ذات الطابع الناعم تقنية ( التركيز على الإطار وتنعيم جزء من الصورة لإضفاء مؤثر ما) واكتسبت معنى مختلفا وهو القطع decoupage. 5 تأثير البؤرة الناعمة هو (كما ترجمت):

هو وسيلة غير مباشرة لإضفاء قيمة على اللقطة التي يتم التركيز عليها؛ حيث يتم تسجيلها في إطار التسلسل الدرامي الذي يعبر عنه المونتاج بالزمن.

ونتيجة لذلك:

وفي إطار هذا المفهوم المعقد، لم يعد وضوح الخلفية أمرا لا غنى عنه؛ فلم تعد البؤرة الناعمة محل جدل فيما يخص احتمالية وجودها:  لقد أصبحت وسيلة لعقد المقارنة وإظهار التباين وليست وسيلة مناقِضة (Cahiers du Cinema 22).

وفي سياق ما قبل المونتاج أشار فويلاد إلى المعنى الحقيقي لعمق المجال – القدرة على استبعاد المونتاج خلال القطع decoupage  في العمق. 6 ووفقا لبازين القطع في العمق يقترب من الواقعية بمعنى وجودي، معيدا للأشياء كثافتها الوجودية. فتنصهر كل العناصر من ممثلين وأشياء ومقدمات وخلفيات ليشكلوا نموذجا للإدراك الحسي (بازين: أورسون ويليز، ص 80). وهناك اقتباس أخير يعتبر شهادة – أكثر وضوحا من غيرها- توضح موقف بازين كمنظَر وباحث واقعي(كما ترجمت):

فى النمط الكلاسيكي وعندما تصبح الشخصية ثانوية، يتم استبعادها من المشهد. يحرص ويليز على ألا تكون لعبته دقيقة ومحددة بقدر حرصه على إبقاء شخصيته “حية” حتى يستطيع جمهور المشاهدين توزيع انتباههم بشكل متصل ومستمر. وذلك فيما معناه أنه يجب علينا وبشكل ثابت ومتواصل أن نراقب الأحداث الرئيسية والتي يمكن أن تدور “من وراء ظهورنا”. وهنا يأتي جزء من الواقع؛ طريقة لتقديم الواقع بشكل متجانس، واعتباره غير منفصل وذا ثقل مماثل لجميع إحداثيات الشاشة. فيتم تقديم الديكور والممثلين في الصورة النهائية – كلا على قدم المساواة – في قلب الحدث مثيرين انتباهنا في نفس الوقت. وبحيث يشكل إقصاؤهم خارج المشهد مجازفة غير متوقعة النتائج، تماما مثل نتيجة معزولة للعبة الأرقام (بازين، العصور الحديثة 947).

المونتاج

وعلى غرار إيزنشتاين والذي كتب بشكل مكثف مجلدات في تقنية المونتاج وبشكل أقل حدة – مقارنة به – في نقائضها، كتب بازين بشكل جوهري عن المونتاج. يصف بازين المونتاج بأنه سلسلة من وجهات نظر سواء كانت منطقية أو شخصية لحدث. “بالتعامل مع الأفلام الناطقة يسجل بازين ثلاثة دوافع للقطع (المونتاج):

  • كتحليل توصيفي منطقي بشكل خالص للسرد
  • كتحليل نفسي من وجهة نظر أحد الشخصيات
  • كتحليل نفسي من وجهة نظر الجمهور

(وبشكل غريب يشير إليها فيما بعد بأنها أسباب “اعتباطية”) (ما هي السينما، المجلد الأول، ص 92)

يعارض بازين المونتاج الكلاسيكي والتعبيري على النواحي التالية: لا يضيف القطع الدرامي المنطقي البسيط – والمعتمد على الأبعاد الجغرافية والنفسية – أي شيء للغرض من المشهد، سوى إضافة التأكيد. فلماذا إذن العناء؟ فما الحاجة إذن للاستخفاف بذكاء المشاهد بإضافة لقطات مكبرة صريحة ولا حاجة لها إذا كان المشهد لا يحمل سوى معنى واحد بسيط؟ وعلى النقيض إذا كان المشهد معقدا لِمَ الافتراض المسبق بوجود معنى واحد فقط؟ يبتكر المونتاج التعبيري المعنى من خلال تجاور الصور وليس من خلال الصور نفسها. وهذا يعتبر تحايلا على الواقع؛ حيث ينفي حرية المشاهد في اختيار وإقصاء ما يشاء من غموض وجودي في المشهد. وبالتالى فهو غير مخلص للواقع المكاني أو الزماني أو الأخلاقي. لم يكن بازين معارضا للمونتاج طالما شكل جزءا من بنية الفيلم الأساسية ومادام القطع ضروريا لوصل مشاهد / تتابعات غير متصلة، ولكنه عارض الخدع البصرية (التراكبات، التلاشي التدريجي، اللقطات المعالجة) والتعديلات المبتذلة وغير الضرورية في المشهد الواحد، والمونتاج التعبيري الذي يضيف المعنى عبر التجاور وليس محتوى كل صورة. يوظف بازين معايير جمالية بسيطة يحدد على أساسها متى يجب المونتاج: فهو يفضل تطبيق عمق المجال في الصورة عن المونتاج في حالة وجود عنصرين أو أكثر يشكل وجودهما ضرورة لبناء المعنى في المشهد.

كما يعارض بازين الفكرة المزعومة بأن المونتاج هو وصف أكثر واقعية لعملية المشاهدة من الناحية النفسية على عدة أصعدة مختلفة. فالقطع المتماشى مع الدراما والسرد والتوقعات يخلق إحساسا بفضاء متكامل. توفر اللقطة الرئيسية مساحة يبدو القطع إلى نقاط داخلها مفهوما على المستوى المادي (المكاني)، أما الحدث الدرامي فيجعله مفهوما على المستوى النفسي. وعادة ما يسبق ذلك القطع الجمهور بخطوة ليقوم بتوجيهه. يرى بازين أن ذلك واحد من شكلين اثنين من أشكال الواقعية المحتملة يتماشى أحدهما مع واقعية السرد وما تلاه من نهج فكري، بينما يتماشى الشكل الثاني مع الحدث ذاته. والنتيجة هى خيار بين نمطين للواقعية. تدفعنا تلك النتيجة لاسترجاع اختلاف براكاش يانجر في فهم بازين للواقعية فى الفن ومقارناته بين “شبه الواقعية” و”الواقعية الحقيقية” – حيث وقعت الأولى في شرك الأيديولوجية أو التعبيرات الشكلية الخالية من المعنى.

تعاني كل الفنون من هذا العجز عن القبض على الواقع بشكل تام، ولكن هناك طرق مختلفة لمواجهة تلك المشكلة. فالواقعي الحق لا يحارب ضد هذا التعارض ولكنه يحاول استيعابه من خلال الإخلاص والصدق. وفقا لبازين أظهرت الوحدة المكانية وعمق المجال وميزانسين اللقطة الطويلة أفضل نتائج كوسائل لتحقيق الواقعية في ظل الظروف التاريخية للأربعينات والخمسينات من القرن العشرين. فلا تستطيع السينما أبدا محاكاة عملية المشاهدة الحية بشكل تام سواء على الصعيد النفسي أو الحسي؛ فذلك من المستحيل، وإن استطاعت ستكون النتيجة عملا بصريا خاسرا. أدرك بازين أن العين البشرية لا تستطيع إدراك مشهد ما بنفس الطريقة التى تفعلها الكاميرا أثناء التسجيل سواء من خلال العمق المكاني أو اللقطة المطولة. هذه القيود تغدو فضيلة وميزة؛ فبالإخلاص للمكان والحدث ذاته يستطيع المشاهد إدراك ذلك المشهد الافتراضي برؤية أفضل وأوضح من تلك التي قد يدركها لو كان في قلب الحدث. فواقعية المساحة الفيلمية والحدث الفيلمي تتخطى إدراك الإنسان لوجوده.

تعرض مقالة The Virtues and Limitations of Montage (مزايا وقيود المونتاج) بأقوى معنى ممكن عدم ثقة بازين في المونتاج وتكشف عن ميله لأسلوب الميزانسين. يشجب بازين الخداع الذي يقدمه المونتاج والذي يظهر- على سبيل المثال- في فيلم المخرج (جان توران) عن الحيوانات. فيصبح المونتاج هنا رمزا لعدم المصداقية بربطه لخصائص بشرية بالحيوان بفضل المونتاج والتوجيه من خارج الشاشة. يتناول بازين لاحقا من خلال المقال عملية التصوير- في نظره مؤثر خادع آخر مماثل للمونتاج- موضحا بأن الفكرة ليست في إمكانية ملاحظة هذه الخدع من عدمها، ولكن في مبدأ استخدامها نفسه (تساؤل في النزاهة). وحتى الآن ينطوي رأي بازين على فكرة وجود إلتزام أخلاقي يجب أن يتحلى به الفنان تجاه الجمهور وأداء مخلص للحدث / المكان. ثم يعطينا بازين مثالا من فيلم Where no Vultures Fly (حيث لا تطير النسور) ليشرح مدى تأثير عمق المجال مقارنة بالمونتاج الموازي. (يحتوي المشهد على طفل يلهو ويتجول فيلتقط شبلا شاردا ويتم ملاحقته من اللبؤة أم ذلك الشبل.) ففكرة أن الأسد مروض ليست مهمة على الإطلاق؛ ولكن هذه الخدعة مصنوعة بشكل سليم “أخلاقيا” لأنها تحدث فى فضاء متجانس. لا يجد بازين أي خداع فيما وراء عمق المجال واللقطة الطويلة من إجراءات (لقطات متعددة، إزالة الجدران، الدعامات.. إلخ). ولكن عوضا عن ذلك، يريدنا أن نهمل الأحداث العرضية في مقابل الاهتمام بالنتائج الأخيرة. 7

(على النقيض من ذلك يدعم بازين رأيه بأن التصوير الفوتوغرافي يتفوق على التصوير الزيتي بالإشارة إلى وسائطه العفوية –  مقارنا التدخل الميكانيكي بالتدخل البشري. ومع ذلك يجب أخذ التدخل الميكانيكي في الاعتبار بشكل نسبي بما أن كل الأدوات (القلم، الفرشاة، الإبرة.. إلخ) المستخدمة في الفن هي عبارة عن شكل من أشكال التدخل الميكانيكي، ولو كان أقل.)

ومن خلال هذه التناقضات نستطيع حل لغز دوافع بازين الحقيقية وراء نفوره من المونتاج ودعمه للميزانسين. فالمونتاج في رأيه وسيلة غير صادقة من حيث النزاهة المكانية وخادعة أيضا للجمهور من خلال وضعها للصور بجوار بعضها البعض؛ ولهذا يعد المونتاج ذا أهمية ثانوية من الناحية الأخلاقية وكذلك الجمالية مقارنة بأسلوب الميزانسين. فسلامة الوحدة المكانية ذات أهمية قصوى ويجب مراعاتها قبل أي شيء- بما في ذلك الخدع. يمكن أيضا فهم تفضيل بازين للوحدة المكانية باعتباره تفضيلا فلسفيا (برجسونيا) كما هو مشار إليه فى الجزء الثاني من هذه المقالة.

بازين والعالم النظري

سوف أشير في هذا الجزء من المقال إلى بعض أوجه الشبه والتي تم التغاضي عنها بين بازين وآخرين من مُنظّري الأفلام الكلاسيكيين. ومن أحد التطورات الجدلية الممتعة التي قد نتتبعها هي موقف بازين تجاه المونتاج مقارنة بنظرية Vsevelod Pudovkin . فطبقا لنظرية بودوفكين الكاشفة والمؤثرة في عالم صناعة الأفلام: من الطبيعي ولكي يتمكن صانع الفيلم من تكوين مشهد أن يفترض وجود مشاهد “مثالي”، عين متخيلة منتبهة حساسة تقبض على المشهد بطريقة مختلفة عن التى سيراه بها الجميع، ولكن بالطريقة التي سيراه بها مشاهد باحث محلل وحاد الذكاء. تعتبر هذه النظرية منهجا مثاليا، ولكن واقعيا لا يولي الكثير من المخرجين كل هذا التفكير لعملية المونتاج أو ليس لديهم الكفاءة لفعل ذلك؛ وبالتالى فهم يلجأون إلى أسلوب المونتاج الأكثر تقليدية، إلى ما يسميه Noel Burch  “نقطة الصفر في الأسلوب السينمائي”. وحتى مع تلك المثالية، يرفض بازين نظرية بادوفكين لعدم سماحها بطرح أكثر من تأويل. فيعتمد اتخاذ القرار- أن تكون مع أو ضد النظرية – على مدى تعقيد المشهد. وعلى سبيل المثال إذا أخذنا فى الاعتبار مشهدا بسيطا مباشرا حيث يكمن المعنى في المستوى السطحي، ستكون معارضة بازين للنظرية طفيفة، بينما يعطي المشهد المعقد – الذي يحتمل وجود تفسيرات متعددة- معارضة بازين إيمانا أكبر. يصبح الأمر أكثر تعقيدا كلما تعمقنا في البحث وفي محاولة الاختيار بين مُشاهد بادوفكين المثالي ومُشاهد بازين الديموقراطي. دعونا نتناول نموذج بازين المفضل: مشهد اصطياد الفقمة من فيلم Nanook of the North. يقول بازين أن النموذج التقليدي للمونتاج كان ليقوض تأثير المشهد المتصل. قد يكون هذا صحيحا، ولكن إذا كانت هذه بالفعل هي أفضل طريقة لرؤية المشهد فسوف يقوم المشاهد النموذجي الذى طرحه بادوفكين برؤية ذلك المشهد من نفس وجهة النظر الثابتة. وقد يستمر الجدل في ذلك إلى الأبد. يعارض بازين بشكل أساسي تجزئة أي مشهد يمكن مشاهدته في وحدته المكانية.

يبدأ بازين ورودولف آرنهايم Rudlof Arnheim نظرياتهما من نفس المنطلق على الرغم من أن أحدهما واقعي والآخر شكلاني. فكلاهما يتفقان على أن السينما تقوم باستنساخ الحقيقة بطريقة ميكانيكية. هدف آرنهايم النهائي هو المعادلة: الفيلم = الفن، بينما معادلة بازين هي: الفيلم = الواقع. يتقبل بازين ذلك الرأي بل ويطرحه بنفسه، لكنه يضيف إليه برفع ثنائية الفيلم إلى مستوى روحي / أخلاقي / معنوي. وعلى الجانب الآخر يدحض آرنهايم تلك الجدلية بقوله أنه بغض النظر عن العملية، وحتى على أكثر المستويات الأولية فإن تسجيل الشيء / الموضوع يمكن الرد عليه بعوامل كثيرة. (على سبيل المثال: مشكلة تقديم أشياء ذات بعد ثالث بوسيط ثنائي الأبعاد – وضعية الأشياء- والجانب غير المادي من الحدس – أخذ القرار في كيفية إظهار الشخصيات بشكل جانبي أو بالوجه كاملا أو ما إذا كانت زاوية واحدة كفيلة بإظهار جبل بشكل أكثر تأثيرا من استخدام زوايا أخرى (آرنهايم ص 8 – 11). فلا يمكن اتخاذ مثل هذه القرارات إلا من خلال الحساسية البشرية وليس من خلال الحسابات الرياضية.

يبدأ آرنهايم بطرح محتواه النظري ثم يحاول أن يوفّق نفس التدخل الفني الذى طرحه المصورون الزيتيون على صانعي الأفلام. وعلى العكس يقوم بازين بالتقليل من شأن تدخل السينمائيين. وفي كلتي الحالتين تصبح المحدودية – عدم القدرة على تقديم الواقع في صورة كاملة – مصدرا لنهايات عديدة. في حالة بازين فإن الفيلم – بإخلاصه للحدث – يمنح المشاهد خبرة متميزة بذلك الحدث؛ بينما في حالة آرنهايم يمر المشاهد بخبرة الحدث من خلال حساسية الفنان.

غالبا ما يركّز الكُتَّاب الذين يحاولون كشف التناقضات التي يطرحها بازين فيما يخص نظريته في النقد على تأكيد بازين الإشكالي باعتبار ويليز واقعيا. يقول أندرو تيودور في كتابه Theories of Film  (نظريات الفيلم) بأن بازين يقحم نفسه في موقف حرج بهذا الطرح، حيث يُعد ويليز من أعظم وارثي المدرسة التعبيرية الألمانية. ومع ملاحظة تيودور للنمطين اللذين يقدمهما بازين- الواقعية الخالصة والواقعية المكانية – لا يعطي تيودور الفرصة لبازين للمضي قدما في ذلك. عن نفسي أحترم رفض تيودور لمنح بازين الفضل في نمطي الواقعية ولكنني لا أتفق مع أسبابه للرفض. فيعتقد تيودور بأن نمط الباروك Barouque الذي يقدمه ويليز (طريقة توزيع الضوء، حركات الكاميرا المفرطة، الزوايا الغريبة المتغيرة وذلك إلى جانب المونتاج والديكور) هي مجرد “طريقة أخرى لتقويض الوحدة البصرية للمكان.” أدرك بازين انجذاب ويليز إلى نمط الباروك كما أدرك ما يحمله أسلوب الميزانسين من إمكانية متلاعبة:

يقدم ويليز صورا أكثر صعوبة في التحليل وذلك لولعه الشديد بنمط الباروك. فترتبط الأشياء وكذلك الشخصيات بطريقة يستحيل معها على المشاهد إغفال أهمية المشهد. بينما لو أردنا الحصول على نفس النتيجة عن طريق المونتاج كان لابد معه من وجود تتابع من اللقطات التفصيلية (ما هي السينما؟ المجلد 1 ص 34 – 35).

لا ينكر بازين أن عمق المجال قد يتماشى مع المونتاج في هذا السياق ولكن تلك هي وجهة نظر بازين التي أغفلها تيودور.  ويمكن قراءة اتهامات تيودور لطريقة ويليز في تفتيت المساحة من خلال نمط الباروك بنفس الطريقة التي فسرها بازين بالقطع فى العمق. ومن هنا لا يبتعد القطع في العمق عن واقعية بازين المكانية ولكنه يصبح جزءا مهما فيها.

وعلى الرغم من أن ويليز ورث العديد من سمات المدرسة التعبيرية الألمانية، لا يستطيع تيودور إنكار اختلاف السياق – داخل أسلوب الميزانسين الذي طرحه ويليز – وأن هناك اختلافا بين القطع من خلال المونتاج والقطع في العمق الذي استخدمه ويليز. يكمن الاختلاف الذي يشكل الفرق لبازين هنا في المعالجة عن طريق المونتاج في مقابل المعالجة عن طريق أسلوب الميزانسين.

سيكون بريان هندرسون Brian Henderson آخر منظر سأتناوله؛ فيعتبر هندرسون نقطة النهاية لذلك الجزء حيث أنه يمثل نتاجا ثانويا للحاجة الدائمة لإعادة تقييم النظريات القائمة والتفكير عبرها.

يناقش هندرسون في مقاله “Two Types of Film Theory” (نوعان من نظرية الفيلم) ممثلين مختارين من معسكري الواقعية والشكلانية: إيزنشتاين وبازين. من النتائج التي توصل إليها أن كلتي النظريتين رغم اختلافهما الكبير إلا أنهما في المجمل نظريتان تراتبيتان”غير مكتملتين” تتابعيا؛ ومن هنا يظهر نقد هندرسون لكلتيهما: فكلتاهما لا تأخذان في الاعتبار علاقة الجزء بالكل (التتابع). كلتاهما لا تعبران عن نظرية لصناعة رسمية لفيلم كامل. ووصولا لهذة النقطة لا يطرح هندرسون أية إجابات ولكنه فقط يثير تساؤلات عن احتمالية وجود نظرية يمكن على أساسها تأسيس فيلم متكامل.

السؤال هنا: هل تستطيع نظرية بازين في أي حال من الأحوال إنشاء نظرية “متكاملة” (بغض النظر عن إغفاله للصوت)؟ فالإطار واللقطة والمشهد والتتابع هم أساس صناعة الفيلم، مع الأخذ في الاعتبار بأن التتابع هو الجزء الأهم والأكبر. يشمل طرح بازين لأسلوب الميزانسين كل هذه العناصر كما يشير تحيزه لهذا الأسلوب – على حساب المونتاج – إلى كيفية استخدام كل هذه العناصر، وذلك في حد ذاته ينشئ نظرية عن كيفية بناء فيلم من البداية للنهاية. وعلى الرغم من إظهار بازين الموافقة على التعديلات البسيطة من أجل ربط مساحات متجانسة ( كربط المشاهد / التتابعات والتي تعد في حد ذاتها لقطات في العمق)، لم يشعر على الإطلاق بالحاجة إلى تعميق العلاقة بين اللقطات الطويلة والمونتاج. ونتيجة لذلك كان كل ماينقص تكوين “نظرية متكاملة” في المجمل هو مصطلح يقوم بتحديد “النقلات” من تتابع إلى آخر. وسوف يقوم هندرسون فيما بعد بمدّنا بهذا المصطلح. يقوم هندرسون في مقالته اللاحقة “The Long Take”  “اللقطة الطويلة ” بتفحص دور المونتاج من خلال أسلوب اللقطة الطويلة في مناظرة بين ويليز، أوفولز، مورنو Muranau, Ophuls & Welles. وكإجابة على سؤاله يطرح القطعات الداخلية للتتابع: القطع الذي يحدث مابين التسلسلات (inter) وخلالها(intra)- برجاء قراءة مقال:

David George Menard: “Toward a Synthesis of Cinema- a Theory of the Long Take Moving Camera”   :”نحو سينما مركبة – نظرية الكاميرا المتحركة في اللقطة الطويلة”.

بغض النظر عن صلاحية نظرية هندرسون فالفكرة هنا أن بناء هندرسون لنظرية القطع التتابعي تم من خلال العملية الفكرية التي استندت على نظرية بازين وكذلك على الحاجة لاستكمالها. يشكل ذلك التفاعل بين مُنظِّر معاصر ومُنظّر قديم جزءا حيويا من تطور عالم النظريات ويثبت صلاحية النظريات القديمة. فكما يتطور الفن يجب على النظريات أن تتطور هي أيضا.

هوامش

  • يحاول بازين من خلال هذا الجدل بشكل واضح إلقاء الضوء على متتالية من الحركات / الإتجاهات المتناقضة (المدرسة التعبيرية، المدرسة السيريالية.. إلخ) متمردا على ذلك الهوس بالواقعية.
  • كل هذه الاستشهادات والاقتباسات مأخوذة من مجلد ما هي السينما (What is Cinema Vol. 1 pps. 14,15,96 & 97).
  • أندريه بازين، العصور الحديثة 17 (1947)، 948. على الرغم من أن اقتباسه بشكل كامل سيكون شديد الطول، يكشف الجزء الأخير من المقال بشكل صريح عن ميل بازين للعودة إلى النزعة الدينية أو الصوفية عندما يدعم قضية يؤمن بها بشدة.
  • ما زال هناك صناع أفلام يتحيزون بشكل حصري لمعسكر ما أو لآخر مثل Miklos Jansçoعلى سبيل المثال، ولكن يستخدم معظم المخرجين كلا الأسلوبين على حسب الحاجة وهيتشكوك، جودار، كوبريك، سكورسيزي أمثلة واضحة.
  • هناك مصطلحان يستخدمهما بازين يتخذ كل منهما معنى مختلفا عند ترجمته للإنجليزية أو لا يوجد له مرادف: فالمونتاج فى المصطلح الإنجليزي يعني أسلوب تعديل قوي وتعبيري. تقوم معظم السياقات المونتاجية بوضع اللقطات جانب الأخرى بمختلف أماكنها وأزمانها ومحتوياتها وتجمعها للحصول على فكرة عامة شمولية أو معنى أو انطباع ما. يشمل المونتاج الشكل العام لبناء الفيلم من لقطة لأخرى وليس بالضرورة أن يكون تعبيريا. يستخدم بازين المصطلحات بشكل تبادلي؛ فالتعبير الثانى الديكوباج decoupage لا يحمل مرادفا في اللغة الإنجليزية بينما تعريفه في الفرنسية هو”القطع”، ولكن عند استخدامه مع الفيلم يفضل توصيفه بـ “البناء”. يقوم Noel Burch في مقال: “نظرية ممارسة الأفلام” بوضع ثلاثة تعريفات تبادلية لمصطلح الdecoupage تستخدم جميعها في التعبير عنه على النحو التالي:
  • الشكل الأخير من السيناريو مثقلا بالمعلومات التقنية المطلوبة
  • التقويض الفعلي لبنية الفيلم إلى لقطات/ تتابعات منفصلة قبل التصوير
  • البنية التحتية للفيلم المنتهي( والذي يعد منحرفا عن تعريف الdecoupage الأصلي)
  • بوضع معنى ال decoupage في البال يجب أخذ الطرق الأخرى التي تربط عمق المجال بالمونتاج في الاعتبار: الكاميرا المتحركة وخاصة إعادة الصياغة، الزووم، الإضاءة، الدعامات واستخدام المساحة خارج الشاشة
  • المنهج الظاهراتي في فهم جوهر الظاهرة هو الآخر يتخلى عن سلسلة الأحداث العارضة (تقويس هسرل).
النص الأصلي على الرابط التالي :- http://offscreen.com/view/bazin4
2018-07-03T14:16:11+00:00

Leave A Comment