ما بعد وضع حجر الأساس لمشروع الحمام بالكيلو 375

ما بعد وضع حجر الأساس لمشروع الحمام بالكيلو 375

عبثية التفكير وعبثية الموقف

كتب : محمد زيدان

يقول كافكا “أول علامات بداية الفهم أن ترغب في الموت”.

هناك دائما لحظات عبثية في الواقع، كلما زاد هذا الواقع سوءا كلما زادت عبثيته.

بعد تلك الأيام الكئيبة التي نعيشها، بعد الفشل الذي يظلل أعيننا، يضعها بين حين وآخر أمام مرآة لمواجهة نفسها بدون إجابات لأسئلة كثيرة، يحاول الإنسان من خلال رؤيته أن يتجه إلى العزلة  والفردية في حياته، إلى السقوط ، إلى الموت.

عندما كتب “أنطوان تشيخوف” قصته “موت موظف”  كان يتحسس بطريقة كوميدية هذا الجزء السوداوي لينتقد فيه كل أجواء الحياة الروسية من عبث وسوء لواقع اجتماعي واقتصادي وسياسي وإنساني في الوقت ذاته، وأن ما يميز فيلم “عمر الزهيري” “ما بعد وضع حجر الأساس لمشروع الحمام بالكيلو 375 ”  هو ذلك الخط الفاصل بين العبثية وسوء الواقع الذي نعيشه الآن .

فمن خلال هذا الفيلم القصير نرى ذلك الموظف الذي قام بفعل إنساني بحت هو أنه عطس أثناء وضع حجر الأساس لمشروع إنشاء حمام عمومي في وسط الصحراء.. لدولة تصنع أحلاما في الخلاء، ظن هذا الموظف أنه ربما اقترف خطأ لأنه عطس أثناء وجود مديره، وبالقرب منه، وكيف أنه حاول مرات ومرات أن يقدم لمديره الاعتذار الذي لا نفهم منه من خلال الفيلم وبشكل قاطع “هل مديره متعجب من الموظف وإصراره علي الأسف، أم يرى أن الموظف يسخر منه لأنه يعتذر كثيرا، أم أنه فعلا يرفض قبول الاعتذار” وعليه فإن تلك الحالة التي تصل إلينا من عدم الفهم لرد فعل المدير، هي التي تجعل الموظف يتأكد بأنه فعلا قد اقترف ذنبا هائلا، وتتصاعد الدراما أكثر بلا أي سبب، يقوم الموظف بالاعتذار عدة مرات؛ مما يؤدي في النهاية إلى قيام المدير بضرب الموظف؛ لأنه اعتقد أنه يسخر منه، لا يحتمل الموظف تلك الإهانة ويموت في الشارع وحيدا.

إنها نهاية مأسوية لانهيار رمزي لتلك الطبقة و لتلك المرحلة.

عناصر الفيلم

كانت هناك عناصر هامة جدا لخدمة شكل ومضمون الفيلم ليخرج بتلك الحالة الكوميدية المأساوية، والتي تؤثر في تناولها علي شكل الحكاية بوضوح .

1- التمثيل

يميل “عمر الزهيري” إلى تحريك الممثل كموديل/ آداة مسرحية تتحرك بشكل مسرحي آلي،وقد استعان بممثلين غير محترفين ، فكل ما يعنيه هو أن يكون شكل الممثل( فيزيائيا)  مناسبا للحالة، في وسط قصة واضحة المعالم.

المشكلة هنا تكمن في طريقة استخدام الممثل.

كمثال هناك الكثير من مخرجي السينما مثل “جاك تاتي” أو “روبرت بيرسون” أو ” روي أندرسون” يستخدمون ذلك الأسلوب في استخدام الممثل كموديل.

ولكن ترى في كل منهم أنه علي الرغم من وجه الممثل المسطح الذي لا يعطي أي تعابير إلا أنه محمل جدا بصفات شخصية تعبر عنه، هذا ما يفتقده الممثل في فيلم “عمر الزهيري” الاستثناء الوحيد في دور زوجة الموظف، قد يكون ذلك بسبب أنه مشهد واحد فقط،  فكان يجب الاهتمام أكثر بالتفاصيل الخاصة لكل ممثل، فكثير من الأحيان تشعر أن الممثل محمل باللحظة المجردة بعيدا عن هذا التراكم الذي يصنعه السياق ككل .

2- الإخراج

كل شيء يشبه الموظف، ثبات الكادر، مع حركة الموظف الثابتة المنتظمة، مع ثبات الجدران والأعمدة في خطوط مستقيمة، كلها أشياء تكمل المشهد، هذا بالإضافة إلى تلك الألوان الرمادية الحيادية والتي تميل إلى البرودة نوعا ما، بالإضافة إلى استخدام “الزهيري” دائما لأحجام ما بين اللقطات الواسعة والمتوسطة، أيضا عدم استخدام أي موسيقى تصويرية للفيلم، هو تأكيد علي حيادية المخرج نحو شخصيات الفيلم بدون إضافة لأي روح للتعاطف معه، أو مع الحدث الوحيد في الفيلم مما يجعلك حيادي جدا في حُكمك عليه، ويجردك من كل الأحاسيس البشرية ما عدا إحساسك بالخوف

فكان استخدام “عمر الزهيري” للكادرات الثابتة ، وكذلك اختياره لشكل الممثلين، الأماكن المجردة المسطحة تماما، كل ذلك كان مناسباً للفيلم وأضفى تجريدا حقيقيا،وجعل المتلقي أكثر تورطا في إيقاع الفيلم وفي إحساس ذلك الموظف بالخوف.

الاستخدام الوحيد للموسيقى كان في المشهد قبل الأخير لموت الموظف، وهي الموسيقى الجنائزية لـ”موتسارت” والتي كانت في خلفية مشهد ضرب المدير للموظف وإهانته، كأنها تأبين للموظف قبل وفاته، فكان لها بُعد جيد في الفيلم، هذا مع استخدامها كموسيقى كلاسيكية راقية تعبر عن شخصية المدير.

كل هذه العناصر تؤكد علي تطور “الزهيري” في فهم هذا النوع من الأسلوب في الإخراج من شكل واختيار للموضوع،  وعمل تكوينات خاصة مستعيناً ببعض المؤثرات البصرية في مرحلة ما بعد الإنتاج لتتناسب مع جو الفيلم، واختيار التصوير بهذا الشكل (الفلات) المسطح الخالي تماما من أي عمق في الصورة مع تكوينات خاصة جدا متشابهه متكررة.

هذا الأسلوب تطور جدا عن فيلم “عمر الزهيري” الأول “زفير”

٣- السيناريو … الكوميديا السوداء

القصة وسيط، والفيلم وسيط آخر، وما بينهما هو مرحلة لابد أن تتناسب جيدا مع الشكل والمضمون.

معالجة القصة المأخوذة عن عمل أدبي، وهي قصة “موت موظف” لتشيخوف” كانت أقل مما يجب ،  تشعر أن معالجة “شريف نجيب” للقصة الأصلية وقفت في منتصف الطريق بين الإحساس بالواقعية والتجريد، خاصة مع ذلك الأسلوب وما تحمله القصة من كوميديا سوداء مع عدم تحديد للزمان أو المكان.

فهذا المكان المسطح العصري، وذلك الأسلوب الآلي، وهذا الاستسلام الداخلي، كل ذلك كان يدفع الفيلم لتحمل الكثير من الغرائبية والفانتازيا سواء علي مستوي الموقف أو الشكل أو الأحداث.

فكنت أتوقع وجود مشاهد اخري علي نفس السياق الفنتازي لمشهد الرجل الصيني الذي يتحدث الي الموظفين بلغته الصينية وهم يستمعون إليه بإنصات.

٤- الظلال علي الجانب الآخر:

ربما يتحدث البعض عن الشكل الأوروبي للفيلم، أو عدم مناسبة تلك العناصر بثباتها الملحوظ لتلك الأحداث، وأنها شيء غير مناسب لمجتمعنا، ولا لطريقة تصرفه أو انفعالاته، هذه وجهة نظر، لكنني غير منحاز لها؛ لأنني أرى أن عناصر الفيلم التي سبق التحدث عنها، جميعها كانت مكملة لتلك الحالة العبثية التي تجعلنا نرى واقعنا بشكل مختلف ومجرد وبدون تعاطف أو انحياز، وأن أي كسر لتلك الحالة ،ربما كانت ستُحدث إرتباك لإيقاع الفيلم.

عُرض فيلم “عمر الزهيري” عرضه الأول في مسابقة أفلام الطلبة في مهرجان كان السينمائي الدولي، وهو أول فيلم مصري يُعرض داخل هذه المسابقة، وعُرض في عدد كبير من المهرجانات الهامة.

كما أن الفيلم حقق صدى جماهيريا جيدا أيضا، لا أعرف لماذا لم يتم استغلال تلك الحسنات وتسويقه وتوزيعه بشكل أفضل؟

وفي النهاية أعتقد أن هذا الفيلم سيمثل نقطة انطلاق جيدة لفيلم “عمر” القادم.

2018-07-03T13:31:46+00:00

Leave A Comment