كروب… سحر الصور الزائف

كروب… سحر الصور الزائف

كتب :ماجد عبد الوهاب

في عالم التصوير الفوتوغرافي، كلمة (قطع) أو بالإنجليزية (كروب) تعني حذف أجزاء معينة من الصورة الفوتوغرافية، بغرض تجميل الصورة، أو زيادة التركيز على محتوى معين، أو من الممكن أن تستخدم لإخفاء شيء ما من الصورة الأصلية.
من داخل هذه المنشأة العتيقة، التي أنشئت منذ 139 سنة، والتي يعمل بها أكثر من 16000 ألف موظف، المنشأة المعروف عنها أنها المتحدث الرسمي باسم الأنظمة الحاكمة في مصر منذ وجودها.. “مؤسسة الأهرام”.

لقطة من فيلم كروب انتاج ٢٠١٤

استطاع مخرجا فيلم (كروب) “مروان عمارة” و”جوانا دومكي” الحصول -بعد عناء شهور- علي تصاريح بالتصوير داخل “مؤسسة الأهرام” لربما هي المرة الأولى التي نرى المؤسسة المعروف عنها البيروقراطية الشديدة. تظهر تلك البيروقراطية بصورة غير مباشرة في الفيلم، فبداية من الطوابق العليا التي يشغلها رؤساء التحرير والمديرون، مرورًا –بالمشهد المتكرر- للسكرتير الجالس أمام المصعد في بداية كل طابق وعيناه تقولان (لن تعبر من دون إذن) نهاية بالطابق السفلي حيث يتجمع العمال المنتظرين الجرائد لتوزيعها.
الفيلم  مدته 49 دقيقة تم تصويره بالكامل من داخل مؤسسة الأهرام. يتكون من مجموعة من المشاهد الثابتة، التي تم تكوين كادراتها بعناية فائقة، كأن كل مشهد هو عبارة عن صورة فوتوغرافية، لكن الفرق أن محتواها متحرك، والكل يمارس عمله في هدوء، كأنهم لا يعرفون أنه يتم تصويرهم. ربما لأن القصة التي تُحكى في الخلفية لها بُعد آخر.

المخرج مروان عمارة

القصة يحكيها ويتذكر تفاصيلها “أحمد”المصور الفوتوغرافي بجريدة الأهرام، والذي ربما يكون اسمه “عمرو” أيضًا، لأنها ليست قصة “أحمد” أو “عمرو” فقط، بل هي حكايات وآراء مجمعة من أكثر من 19 مصورا فوتوغرافيا، منهم من كان يعمل بالمؤسسة، ومنهم من يعمل لصالح مؤسسات مستقلة. ويتم سرد القصص كأنها قصة مصور واحد، يحكي فيها عن قوة الصورة الفوتوغرافية، وكيف تتحكم بها المؤسسة، وكيف يمكن أن تؤثر الصورة الفوتوغرافية في الحياة الإجتماعية أو السياسية للبلاد، منذ عهد الرئيس الراحل “جمال عبد الناصر” إلى عهد الرئيس المخلوع “محمد حسني مبارك” الجميع يسخّرها من أجل إحكام صورته الشخصية أمام شعبه.
يتحدث “أحمد” أو “عمرو” عن العلاقة التي نشأت بين الشعب والرئيس، والمتمثلة في الصورة الفوتوغرافية، والمسؤول عن إيصالها إليهم هو الجريدة. فمن صورة “الرئيس جمال عبد الناصر” التي يجب أن تظهره كزعيم وقائد، إلى صورة للرئيس “أنور السادات” بالبدلة العسكرية أو الجلابية، والتي تعكس حبه لمظهره المحسوب بدقة، إلى صورة معدلة للرئيس المخلوع “محمد حسني مبارك” وهو يقود مسيرة الرؤساء لمباحثات السلام في واشنطن.. فأي صورة مغايرة للواقع الذي يجب حفره في الأذهان، لا تصلح للنشر.
كل صورة منهم كانت تنشر، تعكس بشكل غير مباشر الحالة التي عليها البلاد، والحالة هنا هي حجم الفجوة المتزايد ما بين الواقع والصورة، ما بين الحاكم والشعب، والمسؤول عن كل هذا هو الوسيط أو حلقة الوصل فيما بينهم، ألا وهي الجريدة الرسمية “الأهرام”.
عندما بدأ “عمرو” في تصوير مشاهد تظهر الواقع الحقيقي للبلد بدافع شخصي، لم يكن نشر هذه الصور مسموحا به أبدا في الجريدة، وكأنه نسي حينها القواعد القديمة، غير المدونة، عن ما هو صالح أو غير صالح للنشر. فلا يمكن نشر صور لقاطني المقابر، لا يجب أن تظهر فتاة محجبة في الصور، لقد كانت معظم طبقات الشعب الفقيرة، وهي الأغلبية، لا يجب أن تظهر في صورهم.
تم تصوير فيلم (كروب) بعد ثورة 25 يناير مباشرة، الثورة التي غيرت من فكر “عمرو” أو  “أحمد” عن الواقع وتشكيله، ذلك الواقع  رفضه آلاف من الناس  انطلقوا في الشوارع، يحملون بالصدفة كاميرات أو هواتف محمولة، يسجلون لحظات تاريخهم الذي يصنعونه، بجودة ضعيفة، مثل الشاب الراقد بجانبه في المستشفي والذي كان يشاهد الفيديوهات التي سجلها بفخر شديد.
مع نهاية الفيلم يؤكد “أحمد” أو “عمرو” بحكايته علي أهمية حرية التعبير، التي رأى الناس يمارسونها بجميع صورها، سواء بالهتاف، أو التقاط الصور أو حتى اللقطات العشوائية؛  فالناس ستقبل بها كما هي، لأن الصور المزيفة قد خانتهم لعقود طويلة.
هذا قبل أن يتغنى عبد الحليم حافظ ويقول: “صوره صوره صوره.. كلنا كده عايزين صوره.. تحت الراية المنصوره.. واللي ح يخرج من الميدان.. عمره ما ح يبان ف الصورة”.

تریلر

2018-05-24T04:05:40+00:00

Leave A Comment