فيلا 69.. الحياة فى مواجهة الموت

فيلا 69.. الحياة فى مواجهة الموت

كتب :الطاهر شرقاوى

مع كل فيلم جديد يثبت خالد أبو النجا أنه من أفضل الممثلين في السينما المصرية فى الفترة الراهنة، بدءا من مواطن ومخبر وحرامي و هليوبوليس و ميكروفون وغيرها، وفيلم فيلا 69 من إخراج آيتن أمين فى أول تجاربها فى الأفلام الطويلة، يثبت مقدرته وبراعته فى تجسيد الشخصية والتماهي معها.

الفيلم يعبر عن الصراع الوجودي الأبدى الذى يواجهه الإنسان منذ بدء الخليقة بين الحياة والموت، حيث قرر المهندس المعمارى حسين مواجهة الموت وحيدا منعزلا عن العالم المحيط به، هذا القرار الاختياري لم يأت من منطلق الخوف والرعب من النهاية المحتومة، ولكن من منطلق القوة والرغبة فى عدم رؤية الآخرين لضعفه الإنساني حتى لو كان ذلك الآخر هو أخته الوحيدة.

عزلة حسين فى بيته وهو بيت العائلة أيضا والذى شهد طفولته وصباه “الفيلا رقم 69 بالمنيل”، سوف تتيح له مراجعة حياته على مهل، خاصة علاقاته الإنسانية مع الآخرين، وتحديدا الجنس الآخر، هو الذي تزوج مرتين فقط، ولكن يبدو أنه لم يعثر على الحب الحقيقي وإن كان قد عثر على المتعة، متأملا فى سخرية لاذعة العالم خارج أسوار الفيلا، تلك التي تصل إلى حد السخرية من الموت نفسه، ومن صراخ النسوة فى المستشفى المجاور لبيته مع كل حالة وفاة تقع به، مستنكرا فى أحد المشاهد اختيارهم الموت فى لحظات الصباح الباكرة.

إذن “الموت والحياة” هو الركيزة الأساسية فى فيلا 69، رغم أن الفيلم لم يذكر فى أى جملة حوارية نوعية المرض الخطير الذى يعانى منه حسين، وإن كنا سنفهم بسهولة أنه السرطان، وفى مراحله الأخيرة، وأنه يحاول جاهدا عدم معرفة أى أحد بنوعية مرضه حتى مساعده فى مكتب الهندسة الذى يزوره من وقت لآخر، حيث يسرع حسين إلى إخفاء يده التى تظهر عليها آثار إبر العلاج عن ناظريه.

مرض حسين الخطير، و أيامه المعدودة فى الحياة، تستدعى قيام أخته نادرة والتى أدت دورها الفنانة لبلبة إلى اختراق الأسوار التى أنشأها حول نفسه، والمكوث معه فى الفيلا مصطحبة معها حفيدها المراهق بحجة أنها تعيد طلاء منزلها، ولا يوجد لها مكان آخر.

مواجهة الموت المحتوم تستدعى فلسفة خاصة تجاه الحياة والبشر، وكسر مفهوم الحياة بالمعنى الذى تعارف الناس عليه، وبما يحمله من أخلاقيات ومباديء وتقاليد، القيام بتحطيم المألوف والسائد والمتفق عليه، فمفهوم الخوف على الشخص والسؤال عنه يتحول عند حسين إلى مجرد تدخل فى الحياة الشخصية وانتهاك للخصوصية،  وقد واجه ذلك بالسخرية المرة والشتائم الجارحة، دون وضع اعتبار للشخص الموجهة إليه، وأولهم اخته “نادرة”، والتى يبدو أن خلافات سابقة بينهما تجاه كيفية التصرف فى عقارات العائلة أدت إلى وقوع مصادمات بينهما، وصلت إلى حد القطيعة، فالأخت استغلت سفر أخيها وهدمت فيلا المصيف وباعتها لبناء برج، وهى الفيلا التى يتحدث عنها بحنين، ذاكرا أنه لم يرى أبدا خلال قضاء طفولته الصيفية بها الطابق الثانى منها، والخاص بوالديه.

السباب والشتائم هى وسيلة هجومية للحماية من تدخل الآخرين فى حياته الشخصية، والحفاظ على نسق حياته كما يريدها و كما  رتبها لنفسه، وحماية رغبته فى مواجهة الموت وحيدا، بلا ضجيج أو مشاعر إنسانية ربما تكون مزيفة أو نابعة من عواطف غير صادقة، وللهروب من لحظة الموت يتجه حسين الى النوستالجيا، والحنين الى فترة من أخصب مراحل حياته وهى فترة الجامعة، مستدعيا ثلاثة من زملائه، بنت وولدين، يخرجهم من دماغه ليمارسوا حياتهم وثرثرتهم وسماع الموسيقى والتدخين، وهم يرتدون طوال المشاهد التى يظهرون بها ملابس فترة السبعينيات، هذا الحنين الى الماضى ربما يكون محاولة لفهم مسار الحياة، والعثور على تفسير مرضى لماهية الحياة نفسها، وربما يكون هروبا من اللحظة المنتظرة، مراوغة ملك الموت بالتمسك بالماضى، أو فهم اللحظة الراهنة بالعودة باستدعاء مرحلة زمنية قديمة، ويتم الانتقال بين اللحظتين “الحاضرة والماضية” بسلاسة عن طريق الاستدعاءات، فكلمة معينة أو جملة موسيقية أو الهروب من التفكير فى الموت، أو ضغوط الأخت المستمرة فى محاولاتها لتسيير الحياة داخل البيت وفقا لرؤيتها، تستدعى على الفور رفاق العقل، والذين يبدوا أنهم لا يفارقونه أبدا حتى أنهم ينامون بجواره على السرير.

حسين لا يكتفى باستدعاء لحظات ماضية أو رفقة الجامعة، إنما يقوم باستدعاء سناء “أروى جودة” إلى حياته مرة أخرى، والتى ربما تمثل الحب الحقيقى الوحيد الذى قابله، نموذج متجسد لحالة الحب المستحيل، الذى لم يكن مقدرا له أن يكتمل، بسبب فارق العمر الكبير بينهما، وبسبب اكتشافه لمرضه، مما أدى إلى اتخاذه قرارا بقطع العلاقة بينهما، ليعيد فى أخر أيامه وصلها من جديد، حالة الحب تلك، والتى تبدو غير معلنة بشكل صريح، تعكس تماما صورة الحب الذى يأتى فى الوقت الغير مناسب، الذى يخطيء التاريخ والزمن، كما تمثل “سناء” علاقته الوحيدة التى اختارها بإرادته مع العالم الخارجى، فهى الوحيدة المسموح لها بزيارته فى أى وقت وبدون إذن، كما أنه يتعامل معها بشكل أقل حدة من تعامله مع الآخرين.

علاقة حسين مع سيف “عمر الغندور” حفيد أخته نادرة،  تطورت من الجمود إلى نوع فريد من الصداقة، وكأنه يرى فيه نفسه عندما كان فى نفس عمره، حتى إنه يقوم بإعطائه عدة نصائح فى كيفية التعامل مع البنات وجذب اهتمامهن، فى اللحظة التى كاد أن يفقد فيه صديقته آية “سالى عابد”، معترفا له انه عندما كان فى سنه لم يكن يمتلك أى خبرة بالحياة، ورغم الفارق الزمنى بينهما إلا أنهما سرعان ما اندمجا فى علاقة وطيدة من التفاهم، وربما التشابك أيضا بين مسيرة حياتيهما، ففى المشهد الذى استمع فيه حسين الى بروفة لفرقة سيف وهم يؤدون أغنية يقول مطلعها “نفسى فى مزة بتفهمنى.. شكلى كده هموت لوحدى”، يبدو عليه الغضب والتوتر، ربما لأن هذا المطلع يذكره بحياته “الماضية” ويعبر عنها بدقة، فى نفس الوقت هو أمنية سيف “المستقبلية” والتى ربما يحققها أو تسير حياته فى نفس طريق حسين.

الفيلم ينتهى بمشهد يبدى فيه حسين رغبته فى الخروج، وهو الذى ظل شهرا كاملا حبيس جدران الفيللا، فى رغبة منه لإلقاء نظرة وداع أخيرة على العالم، فيرافقه سيف وآية فى صباح شتوى، وتركز الكاميرا على وجهه خارج نافذة السيارة وهو يتأمل الشوارع التى لم تستيقظ بعد، وعلى وجهه ترتسم ملامح الرضا، وكأنه يقول “الآن أن مستعد للموت”.

خالد أبو النجا نجح فى تجسيد شخصية حسين، بذقته النابتة وانحناءة جسده من أثر المرض، أو بتعبيرات وجهه الصامتة والمعبرة بعمق عن اللحظة، كما نجحت المخرجة آيتن أمين فى تقديم فيلم متماسك والتحكم فى عناصره، رغم وحدة المكان حيث تدور مشاهده فى الفيلا باستثناء المشهد الأخير، وجاء الديكور بسيطا ومعبرا عن الطبقة الوسطى، فظهر أثاث حجرة حسين عبارة عن دولاب وسرير صغير يذكرنا بأثاث أفلام الأبيض والأسود، أما التمثيل فقد جاءت لبلبة مميزة كعادتها فى دور الأخت، ولفتت هبة يسرى التى قامت بدور الممرضة الأنظار، فهى موهبة فطرية مدهشة، بقدرتها على التعبير بوجهها أو الانتقال من البكاء إلى الضحك فى ذات اللحظة. أما سيناريو وحوار محمد الحاج ومحمود عزت، فأقل ما يوصف به أنه حالة روائية، بمعنى أن الشخصيات “الرئيسية تحديدا” مبنية بشكل روائى، وكان الفيلم كان فى بدايته رواية، وفى رأيي، فيلم 69 من أجمل الأفلام التى عرضت فى 2013.

الفيلم

2018-05-24T04:32:41+00:00

Leave A Comment