فعل الفيلم السكندري.

فعل الفيلم السكندري

بدايات الرغبة والفضول والاتصال

كتب : إسلام كمال

المخرج / إسلام كمال

تصوير/ ميشيل ابو زخم

بداية اكتشاف الوجوه الملتفة حول الفيلم، صناعة وتحليلا ومتابعة، تجمع العدد بدافع الرغبة والفضول دون أية خطة للمستقبل القريب أو البعيد، من تلك الوجوه تكونت المجموعة الأولى لصناعة الفيلم بالإسكندرية خلال عدد من الأماكن والفعاليات أبرزها، مركز الجيزويت الثقافي بالإسكندرية. فعاليات مثل، نادى السينما، أسبوع من المحاضرات حول كتابة السيناريو ومشاهدات للفيلم بغرض إجراء محادثات حول التحليل النفسي والاجتماعي.

لم يجمع أيا من أفراد المجموعات المتواترة الأولى صداقات مسبقة، ولم يجتمع أغلبها فيما بعد إلا ضمن إطار صناعة الفيلم, لم تستمر الصداقات الشخصية أو تلك المبنية على التشارك في الرؤية الفنية أو العملية إلا في إطار دوائر شديدة الصغر.

تعددت المرجعيات الآتى منها مجموع أفراد ذلك الجيل من صناع الأفلام بالإسكندرية، تعددت المصادر –دراسة الفنون، الآداب، الحقوق، التجارة. بالوقوف حول نهج كل فرد من هذا الجيل الأول -إن جاز التعبير- نجد أن ثمة اتفاقا ضمنيا لم يبرم حول توجه كل منهم إلى الشكل “غير التجارى” أو غير الهادف للربح بالشكل المستدام، تلك السمة الغالبة على الأعمال التي أنتجت في ذلك الوقت من متدربي الإطار المستقل عن مؤسسة الدولة؛ معهد السينما.

الشكل:

“الدفعه الاولي من ورشة جيزويت للسينما ٢٠٠٥”

جاءت تدريبات الأجيال الأولى، الدفعة الأولى والثانية 2004-2006 ، بمحتوى فكري استهدف البناء النفسي للفيلم في حضور معدات محدودة نسبيًا خاصة معدات الصوت والإضاءة، إلا أن العامل الأخير لم يكن العامل الوحيد الذي  أدى إلى اصطباغ الحلقتان بتلك السمة.

لم يأت العامل الأخير حاسمًا لكل من أفراد المجموعتين، إلا أن عاملاً شخصيًا قد أدى بكل منهم إلى اتخاذ المنحى الذهني بالمقام الأول قبل عامل تطويع المعدات، وإدراك لغة استخدام عدسات السينما المعروفة بلغة الصورة، أو الحكي المجرد، أو انتهاج لغة فيلميه مجردة من الجمل الحوارية الطويلة دون استخدام قوالب باروكية النزعة للشخصيات الأساسية، وتنتقل بنا الملاحظة الأخيرة إلى إثارة سؤال لماذا  انتهجوا ذلك النهج؟ للإجابة: يجب الإشارة إلى المعطى الفني الذي قد تعرض له أفراد المجموعتين وهو الرغبة في الانتقال إلى عالم موازٍ منبت الصلة عن الأفلام السائدة،  في الانتقال إلى خارج الإطار المرسوم من قبل معاهد الدولة للسينما والفنون البصرية، بوصف آخر، الرغبة في الانتقال من واقع المعطيات المحيطة. كما لا يمكن إنكار التأثر بمشاهدات لسينمات العالم  الأبعد عن الوعي المحلي والاستهلاك العالمي، كالفيلم الروسي و الفيلم الأوروبي، والذي بدا واضحا في الأجيال اللاحقة لمدرسة الفيلم.

المفارقة والحبكة الساخرة:

عند سرد أمثلة لمقاربة إنتاجات الفيلم القصير بين القاهرة والإسكندرية، يلاحظ أن هناك عددا لا يمكن تجاوزه من الأفلام القصيرة المنتجة في القاهرة -وقتها- قد اعتمدت على المفارقات الكوميدية الصارخة، التي تعتمد على استخدام مصطلحات دارجة بالشارع وآداء تمثيلي هزلي مميز، مثل أفلام (ياباني أصلي والحاسة السابعة) ل”أحمد مكي”، فيلم (الثلاث ورقات) ل”أكرم فريد”، فيلم (لي لي) ل”مروان حامد”، سادت الأفلام السابق ذكرها لغة صورة سريعة القطع، وإنتاج أوفر من جانب التصميم والشكل. انتقلت بعض من تلك الروح الرافضة للسائد باختلاف أنواعه -دون وجود مساحات للتلاقي والتواصل- بين أفراد المجموعتين في مدرسة الفيلم بالإسكندرية.

افيش فيلم لي لي انتاج سنة ٢٠٠٥ – اخراج مروان حامد

الجمهور:

تمثل فكرة  الجمهور نقطة ضعف واضحة في مشهد الفيلم المستقل في الإسكندرية يصاحبها افتقاد تيار متفق عليه، حيث تتسم المسافة بين الجمهور وصناع الفيلم (القصير أو المستقل)  بالتباعد الواضح، وكأن هناك اتفاقا ضمنيا بين صناع الفيلم في الإسكندرية بعدم إدراج الجمهور كمادة للبحث، فدائما ما يوصف الجمهور ككتلة مصمتة ميتة -ليس كخليط غير متجانس ومتنوع- لا يمكن قراءة المشهد من خلاله.حتى الآن، لا نجد أفكارًا جادة للتوزيع أو العرض العام التجاري لمشهد الفيلم السكندري.

الحرفة:

المراد هنا هي الإشارة إلى مدى استخدام صناع الفيلم بالإسكندرية لمهارات الحكي الفيلمي باختلاف أغراضه كحرفة وممارسة أصيلة، بدأ الأمر فرديًا وليس نتاج مساع جماعية تبنى من خلال سوق للعمل في الحقل السينمائي، لكن سوق العمل والنشاط السينمائي ارتبط ارتباطا وثيقا بالعاصمة (القاهرة) لافتقاد الإسكندرية إلى الشركات والكيانات الهادفة للربح.

الأثر:

أدى ذلك إلى استخدام مهارات إنتاج الفيلم لصنع أفلام تبدو كنوافذ للذات تحمل رغبة صانع الفيلم في أن ينفذ إلى عالم أبعد من فرضيات المجتمع التقليدية النمطية المقيّدة ودون أية كراسة للشروط و المعايير الفنية في الشكل أو المضمون. وبناء عليه يستطيع الشخص العابر على المشهد الثقافي في الإسكندرية تعريف الفيلم (القصير– المستقل) بأنه الفيلم الذي لا ينحى منحى خطيًا للسرد ويتفاعل طرديًا مع الواقع الاجتماعي والسياسي القائم.

شراكات:

في منحى موازٍ للفردية بين عامي 2008 – 2009 تكونت مجموعة شراكات تهدف للاحتراف كوسيلة للتعريف بالمجتمع عن طريق الصورة (الميديا) فيج ليف ستوديو شركة محدودة النشاط للإنتاج البصري والسمعي، لم تكن المساعي السابق ذكرها بالشراكة المشار إليها خالصة النوايا تجاه سوق العمل الربحي، ولم يكن سعيًا واثقًا نحو سوق العمل بالعاصمة، نما عبر تلك الشركة مبدأ التخصص -حتى ولو نسبيًا- ضمن أفراد المجموعة المؤسسة في مجالات لم يعهد أن تحظى باهتمام مسبق مثل –إدارة التصوير، تسجيل الصوت، إدارة الإنتاج-صاحبت تلك المجموعة نشأة جهات الإنتاج الفني المحترف في المدينة، والتي أدى تجاورها إلى إبرام اتفاقات تعاون تكميلية. كانت مهام الإنتاج الفني عاملاً غائبًا بالأجيال الأولى، ولم يلحظ أي من صناع الفيلم ذلك الغياب بسبب توجيه كل  حماسه نحو شغف التحقق الفني بإطار محدود، استهدف المهرجانات السينمائية والعروض داخل الأطر الخاصة (الهيئات والمؤسسات الثقافية الأجنبية)، دون الالتفات إلى قراءة أنماط الجمهور المختلفة وبحث أفاق للتواصل.

النقد أم التنظير:

تعتبر مهمة النقد السينمائي مفتقدة في المشهد السينمائي المصري إلا من بعض الأعمدة الصحفية والدوريات المصاحبة للمهرجانات القومية، وقد حظي مشهد الفيلم السكندري بالإشارة والتوثيق في عدد من تلك الدوريات؛ مما يفصح أن حراكًا قد بدأ في الإسكندرية ينطلق من الشغف ومن رغبات الهروب والانفصال عن الإدراك المعتاد. حركة أم اتجاه.

كثيرا ما تم استخدام فرضية (أن اتفاقا ضمنيا لم يبرم) للالتزام بشكل أو مضمون متشابه للإنتاج السينمائي المستقل في الإسكندرية، إلا أن عددا من الأفلام تبنت لغة غير خطية في الشكل والمضمون، كمثال كاشف إذا تتبعنا عددا من الشخصيات الأساسية في عدد من الأفلام نجد أن تلك الشخصيات تتشابه في هيئتها وتتسم بالاغتراب، وهذا ما لا ندرك سببه ضمن أحداث الفيلم، وقد لا يتم الإفصاح عنه ولا حتى بالتنويه، أمثلة للملاحظة لا الحصر: فيلم (لمبة نيون ) “عماد ماهر”، (أوضة الفئران ) لمجموعة “روفيز”، (بابا) “احمد السمرة”، (بحري) “أحمد غنيمي”.

2018-07-03T13:44:54+00:00

Leave A Comment