فرش وغطا: عن المجهولين

فرش وغطا- عن المجهولين

فرش وغطا- عن المجهولين

كتب :محمد صبحي

“إذا نظرت للشحنة الكهربية الحجمية من الخارج فستبدو كسطح ثابت، أما من الداخل فيظلّ التدفق الكهربي مستمرا ومتغيّرا”
حقيقة فيزيائية

بينما كانت باكورته الإخراجية «هليوبوليس» (2009) شريطا لتوثيق كآبة واقع ضاغط وأرواح مرهقة في انتظار ما لا يجيء، جاء «ميكروفون» (2010) أكثر تفاؤلا، حاملا بداخله ما يشبه نبوءة الثورة القادمة بتقديمه للمشهد الموسيقي السكندري كحاضنة للتمرّد على المؤسسات الرسمية، ومقاربا المزاج الشبابي الغاضب الذي سيتصدّر لاحقاً مشهد الثورة المصرية. شاءت الصدفة أن يبدأ «ميكروفون» عروضه في صالات السينما المصرية بالتزامن مع اشتعال الأحداث في الشارع، وبداية الأيام الأولى لما سيصبح بعد ذلك “ثورة 25 يناير”، “الثورة” التي سيتكيء عليها «فرش وغطا» (2013) في خلفية حكايته عن صامتين لا يظهرون في نشرات الأخبار. في ثالث أفلامه الروائية الطويلة يتابع الكاتب والمخرج “أحمد عبدالله” مسيرته السينمائية المختلفة من خلال اختيارات مغايرة و صعبة التقبل لدى الغالبية من جمهور السينما المصرية.

الفيلم، كما تخبرنا افتتاحيته المكتوبة، يرتكز على لحظة غامضة  (اللحظة) التى تم خلالها فتح السجون المصرية في يوم 28 يناير ٢٠١١، ليتابع قصة السجين الهارب من سجن “القطا” (يلعب الدور الرئيسي آسر ياسين) الذي يصاب زميله إثر هروبهما معًا برصاص عشوائي؛ ليخفيه في إحدى العشش المجاورة ويتركه على وعد بالعودة. على الطريق الصحراوي المطل على السجن يتساقط السجناء الهاربون صرعى وتتركهم الكاميرا في غيابهم هذا وتعود للبطل، الذي قصد المخرج تجهيل اسمه ربما لتحويله إلى حالة أو رمز، في رحلته لتنفيذ وصية الصديق بإيصال رسالة إلى زوجته، ونشر الفيديو الذي سجّله على هاتفه المحمول موثقًا العنف الذي تعرض له زملاؤه “أنا صوّرت الفيديو ده علشان الناس تعرف الحقيقة”.

على عكس المناخ السينمائي والوطني السائد في تقديم صورة نمطية مزيفة أو مشيطنة عن “سكّان العشوائيات” أو “المُهمّشين” الذين يظهرون في أفلام العيد مصحوبين بالمخدرات والشتائم والخناقات الدموية وبالطبع أغاني المهرجانات و تلك الراقصة التي لابد منها لإكمال كتالوج الوجود العشوائي، على عكس ذلك تذهب الكاميرا باحثة عن مدخل آخر لمقاربة الطبقات التحتية وغير المرئية من مدينة القاهرة، هناك حيث آلاف من البشر يسكنون المقابر، وآلاف غيرهم في ” حي الزبّالين” يتعيّشون على قمامة باقي سكان القاهرة. يدخل بطلنا الهارب لتلك المجتمعات، وتدخل معه الكاميرا معتمدة على حركات جسده وتعابير وجهه بديلا عن الكلام. هذا الاختيار الفنّي عزز حضور المكان في غياب شبه تام لأي حوار مفهوم أو طويل، و تركيز الصورة على ما يحدث في الشارع في تلك الأيام الأولى الطويلة للثورة. غاب الكلام وحضرت الصورة. غاب الحوار وحضر النشيد الصوفي. اختيارات لم تكن سهلة بالنظر للسياق السينمائي المصري الحالي، اللاهث وراء الثرثرة والصورة المهيّجة. كما لا يعرف المشاهد اسم البطل، فهو كذلك لا يعلم تهمته أو أيا من تاريخه السابق سوي تلك الإشارة الخافتة إلى صورة قديمة مع صديقته التي لا نعرف عنها شيئا هي الأخرى. هذا الغياب للمعلومة جاء متوافقا مع إيقاع الفيلم، المكتفي بشريط صوت بديع ينسج عليه حكايته الصامتة عن الفقراء المجهولين الذين يلتقيهم البطل وكأنهم ظهروا على الشاشة فجأة مثله أو اكتشفوا حضورهم أمام الكاميرا ليعلنوا عن وجودهم من أماكنهم المنهارة وعن أثرهم فيما يحدث في البلد. يفسح الفيلم مساحة صوتية لسماع شهاداتهم، التي لم تجد لها مكاناً وسط صخب الأحداث التي تدور في مركز بعيد (التحرير) لا يسمح له المخرج بالظهور سوى في نشرات الأخبار، أو شهادة حماسية لأحد العائدين منه عشية “موقعة الجمل” تضيع وراء صوت دراجة نارية مزعج. لا يدخلنا الفيلم في ثرثرة ثورية أو قصص بطولية عن ثورة مجيدة لأن صانعوه يدركون جيداً أنها حدث غير منته. وهذا ما أكد عليه المخرج في أكثر من حديث حين يقول بأن «فرش وغطا» ليس فيلماً عن الثورة بل عن أسبابها، وهو في ذلك ينبهنا إلى الوصل الحادث بين الشهادات التوثيقية المدمجة في بنية الفيلم السردية  (و التي تبدو مشابهة إيقاعياً للأناشيد الصوفية التي تتناثر بطول الفيلم)، واختياره الانتقائي لأحداث عنف متفرّقة زمنياً لتضمينها والتخديم على الحكاية المتخيّلة.

تتتابع الأحداث في جو كابوسي و مرعب ولكن تم تقديمه بهدوء إلى أن يتمكَّن البطل من إيصال الفيلم المصوَّر الذي بحوزته إلى إحدى الصحف ( المصري اليوم بالتحديد) كانت قد أعلنت لقارئيها استعدادها لتلقي أي وثائق أو شهادات مصوّرة بحوزتهم. في مقر الجريدة يشاهد فيديو وصل لتوه عن أحداث عنف طائفية في منشية ناصر ويتعرّف على أسرة زميله المقتول وسط المعركة. يهرع إلى هناك ويعاين سريعاً الخراب الذي حلّ بالمنطقة ثم يشارك في رمي زجاجات المولوتوف على المهاجمين إلى أن تصيبه رصاصة طائشة (مثل زميله في السجن) لتنقلب الكاميرا ناظرة للسماء ولا يبقى سوى صوت أنفاسه الأخيرة تذكّرنا بكل الشهداء المجهولين الذين سقطوا في شوارع ذلك البلد التعيس.

«فرش وغطا» من إنتاج شركة (فيلم كلينيك) وللسيناريست والمنتج محمد حفظي، بالتعاون مع شركة «مشروع» التي أسَّسها مخرج الفيلم أحمد عبد الله. وشارك في بطولته عمرو عابد، ويارا جبران، مريم القويسني، عاطف يوسف، ومنى الشيمي.

عن الصمت وتوثيقه

ما رأيك في الفيلم؟  إجابة هكذا سؤال عادي لا تكون سهلة حين يتعلق الأمر بفيلم مثل «فرش وغطا»، فهو يلعب في منطقة مختلفة عن السائد وينزع للتجريب السينمائي سواء في اختيار طريقة السرد، أو التصوير، وحركة الكاميرا والإضاءة وكل تلك الاختيارات تستحق الاحترام قبل أي شيء. شخصياً أميل لاعتباره عملاً انطباعيا يترك في مشاهده انطباعاً لا يمكن الإحاطة به في كلمات واضحة. مثلاً بالنسبة لطارق حفني ،مدير التصوير، فهو أشبه بالذهاب لمعرض فنّي: يمكنك أن تعطي انطباعا عاماً ولكن لا يمكنك حقاً الحديث عن لوحة بعينها.

بداية السينما كانت صامتة وكانت فن مشاهدة واستبصار واستنباط، ولكن لأسباب كثيرة، ومن ضمنها الثقافة السينمائية للمصريين، فإن الناس تنسى ذلك أو لعلها لا تعرفه من الأساس. لنسأل أنفسنا كم واحد شاهد فيلماً صامتاً من قبل؟ كم عدد الأفلام الصامتة التي قد يكون شاهدها كل واحد؟ هناك جهل سينمائي يؤثر على حساسيتنا و تعاطينا مع التجارب المختلفة، في ظل وعي يسعي لتنميط الطروحات الفنية والاستسهال في المعالجة كي لا يشغل نفسه كثيراً بالتفكير، ويظل عاطلاً عن الدخول إلى العملية الإبداعية بأفكاره وأسئلته الخاصة. بديلاً عن هذا التفاعل المنتِج مع الفن فإن هذا المُشاهِد يرتكن إلى الفن السهل ليلقمه الإجابات الجاهزة والمريحة.

“عندما كنا نتحدث عن أسلوب التصوير وجدت مقطع فيديو على يوتيوب صوّره أحد المتواجدين بشارع قصر النيل ليلة 25 يناير 2011. كان الفيديو صامتاً نتيجة خلل ما من المصدر. ثلاث دقائق من بين أفضل أنواع الحكي التي شاهدتها: تبدأ هادئة ثم تتحول لعنف شديد، ثم تكتشف ان المصوّر قد أصيب، يستمر بعد ذلك ويتحدث مع ضابط شرطة ثم يختفي ويعود مرة أخرى. كل ذلك دون أن تسمع أي صوت. كان ذلك هو إلهامي الأول: هذا الرجل، بلقطته الطويلة وكاميرته المهتزة، تمكّن من حكي القصة بطريقة مذهلة من دون أن يملك الصوت حتى. لذلك فكرت أنه يمكننا اللعب مع ذلك. بالطبع لم نتمكن من فعلها بصمت كامل ولكن بدلاً من ذلك استخدمنا مؤثرات السينما العادية”

عبدالله لا يميل للحوارات المطوَّلة؛ ففي عمليه السابقين تظهر شخصية ما داخل الفيلم قليلة الكلام أو شبه صامتة . الصمت في «فرش وغطا»، وإن لم يكن خياراً أولياً لدى المخرج في البداية، جاء متوافقاً مع الفيلم ومعناه بشكل عام، لأنه لم تعد هناك إجابات عن أي شيء يحدث على الأرض، ولا مبرر لكل العنف الذي سيطر على المجتمع. هذا الصمت وتلك الغمغمة الحوارية لا تنفصل عن همّ الفيلم الرئيسي ومساءلته لمعنى الثورة وجدواها، والفشل فى معرفة الحقيقة بشأن أحداث خطيرة جرت وقائعها أثناء الثورة مثل فتح السجون، ومأساة الفتنة الطائفية فى منشية ناصر. هنا الفيلم يبدو كعلامة استفهام كبيرة تضع نفسها أمام الجميع تطالبهم بالإجابة على الأسئلة المعلّقة.

هؤلاء، الذين لا صوت لهم، يظهرون في الفيلم ليحكوا عن مقابر جماعية لسجناء مقتولين، عن أرجوحة مرتجلة بين فرعي شجرة في المقابر يلعب بها الأطفال، عن حكاية “مسكوت عنها” لأم مكلومة وابنها الذى أصابه ضابط بالرصاص، أو طفل القمامة الذي لا يعرفه أحد، يحكى عن سوء معاملة ربة منزل تستقوي بزوجها الشرطي، فتاة جميلة وسط المقابر تبدو كمجاز حزين عن الحياة. الصمت الكثيف يصير مرادفاً للتواطؤ -بين قوى لا يسمّيها الفيلم- الذى يخفى الحقيقة، ويعمل على إلغاء وجود “الغلابة” بإصراره على تجاهلهم. عن ذلك الهامش الذي لا يسأل فيه أحد، كان الفيلم. السجين الهارب، والذي يمكن اعتباره مجازاً لكل الساعين للعيش الكريم، يتصدر المشهد فجأة، ليجد نفسه مرتبكاً بهمهمات تحاول أن تكون كلاماً مفهوماً، شريداً، هائماً، مُطارداً يبحث عن مكان مسقوف وآمن، عمن يقرضه الفرش والغطا، يبحث عن بيت/وطن.

لم يكن لدينا فكرة كيف نحكي الحكاية بدون كلمات. أعترف أنه في أول أربعة أو خمسة أيام تصوير لم يكن لدي فكرة (أول 20 دقيقة من الفيلم حيث حرص صناع الفيلم على تصويره بنفس تسلسل الأحداث). من الصعب الحديث عن الفيلم.  كان ثمة إحساس وحاولت تطويره لشكل فنّي. لم يكن لدي أبداً تصوّر نهائي لما يجب أن يكون عليه الفيلم. بالنسبة لي كان عن محاولة شيء جديد ورؤية كيف يمكن أن يبدو. لا أعتبره فيلماً حقيقياً حتى، هو فقط شيء للعب معه، لتغيير شيء من خلال ممارسة فنية. إذا قمت بعمل فيلم آخر بدون حوار، أعتقد أنه سيكون أفضل بكثير. ستعرف كيف تفعل ذلك. عندما تقوم بتجريب الأشياء فأنت تملك نسبة فشل 50/50 ولكن الجميل في الأمر هو المحاولة نفسها.

الفيلم يكاد يخلو من الجُمل الحوارية وحقيقةً لا يمكن إغفال شعوري في بعض المشاهد بضرورة وجود حوار ولكني كنت متأقلماً مع ذلك الوضع وفي بالي حداثة الفكرة وما تستلزمه من تجريب لا يمكن مقارنته بسابقة قياسية أو مرجعية إن جاز التعبير. كما أن غياب الحوار لم يكن مُفسداً لمتعة المشاهدة خصوصاً وأن الحدث اﻷبرز في هذه الفترة كان موجود دائماً في خلفية الأحداث من خلال ما يظهره الفيلم من نشرات اخبارية ، بل إنه يمكنني القول بأن غياب الحوار أضاف بعداً جديداً ورائعاً للأناشيد الصوفية في الفيلم حتى بدت وكأنها مونولوجات لأرواح مستضعفة في الأرض لا تجد من يسمعها، فتلجأ إلى السماء علّها تسمع شكواها. ولكن ما لا أستطيع قبوله بشكل كامل، هو الحوارات التوثيقية التي لم يكن عبد الله موفقاً كفاية لتبرير دخولها في السرد، ربما كان هناك حيلة فنية أكثر اقناعاً لدمجها بسلاسة في بنية الفيلم. وهناك مثال عادة ما أشير إليه بخصوص دمج التوثيقي بالمتخيل وهو فيلم “شيء غامض في الظهيرة “Mysterious Object at Noon  وهو الفيلم الطويل الأول للمخرج التايلندي أبيشاتبونج ويراستاكول Apichatpong Weerasethakul والذي تم انجازه بميزانية محدودة قبل خمسة عشر عاماً وفيه قدّم ويراستاكول اقتراحات فنية رائعة بخصوص عملية توليف الفيلم من قصص حقيقية للعديد من الأشخاص من مختلف الأعمار: كل قصة تضيف إلى الأخرى تفاصيل جديدة و تملأ فراغات سابقة ويقوم المخرج بتطعيم الفيلم ببعض الخيال ليكتمل نسيجه البديع.

ربما لو أن بمقدور كل مبدع أن يعود إلى ما أنتجه فيعيد خلقه من جديد بإضافة شيء ما أو تجريب اختيار لم يستخدمه، فذلك بالتأكيد سيثري العملية الإبداعية ويحسّن من المنتج النهائي. ولكن هل هناك منتج فنّي نهائي أصلاً؟ هل يتوقف دور متلقي الفن على استقباله بدون أي تدخل؟. هناك مجموعة قصصية جميلة لهيثم الورداني بعنوان « جماعة الأدب الناقص» وفيها يقوم الكاتب –من ضمن ما يقوم به- بالتنظير لفكرة القاريء المشارك في كتابة النص مع الكاتب الأصلي. أحمد عبد الله يشارك الورداني في تلك الفكرة تقريباً حين يعتبر الفيلم، أي فيلم، مشروعاً عضوياً Organic project. بعد الانتهاء من تصوير ومونتاج الفيلم تمنيت لو كان لا يزال مشروعاً عضويا أستطيع تغييره. من وجهة نظري، الفيلم يجب أن يكون شيئا يعيش معنا، شيء يمكن اللعب به ومعه. إنه كائن حي وليس كتلة صلبة يجب أن تكوّن رأياً واضحا تجاهه.

ستظل الأسئلة تأتيك طيلة مشاهدتك للفيلم وغالباً لن تجد الاجابات، فلا تهتم كثيراً، فربما، كما قال أحدهم يوماً، أن الهدف من طرح الأسئلة ليس الإجابات بالضرورة بل رفع مستوى الجدل.

  • الفقرات باللون الأحمر هي ترجمة لبعض ما ورد في حوار المخرج مع موقع مدى مصر

2018-07-01T14:17:32+00:00

Leave A Comment