“فرش وغطا” المجد للهامش

“فرش وغطا”.. المجد للهامش

كتب : الطاهر شرقاوي

يتميز المخرج أحمد عبد الله بسعيه الدائم وراء التجريب، ويتضح ذلك من فيلمه “ميكروفون” ثم فيلميه التاليين “فرش وغطا” و”ديكور”، وقد ظهرت موهبته منذ فيلمه “هليوبوليس” والذى كان يشى بوجود مخرج واع يحاول أن يقدم المختلف والجديد.

يبدو عبد الله مغرما فى أفلامه ب “الوثائقية”، حيث يأتى بأناس عاديين من الشارع ويصنع منهم أبطالا للمشهد، ليحكوا عن همومهم ومشاكلهم ومهنهم، مثل الجرافيتى وفرق موسيقى الشارع فى “ميكروفون” او أصحاب المراجيح ومنشدى الموالد فى “فرش وغطا”، وهو بذلك يحاول أن يمنح أولئك “المهمشين” مساحة للتعبير عن أنفسهم وأحلامهم وصراعهم، بل وتحايلهم على الحياة، يمنحهم مساحة للتنفس وان يتحركوا ولو للحظات من “الهامش” الى “المركز”.

فكرة الهامش هى المسيطرة فى فيلم ” فرش وغطا”، بداية من المشاهد الأولى التى تعرض لنا هروب مساجين لا يلتفت لهم المجتمع، أو حتى يأبه بقتلهم وتصفيتهم من قبل الشرطة آو مجهولين، نهاية بأن يسمع البطل “آسر ياسين” من كاسيت الميكروباص مقطعا لـ “أحمد برين” وهو مداح صعيدى من مركز إسنا بالأقصر غير مشهور إعلاميا، ويعد بشكل ما “مهمشا” مقارنة بمطربى الفضائيات والغناء الرسمى، وفى نفس الوقت هو المداح الذى يحظى بشعبية كبيرة لدى الصعايدة الجنوبيين “المهمشين” أيضا من قبل “المركز –  العاصمة”.

“فرش وغطا” ينقل الهامش الى صدارة المشهد، حيث نجد بلطجى الحارة “المهمش” والذى يعمل كمرشد للسلطة فى سبيل البقاء على القيد الحياة، مرورا بصديق البطل المسيحى “المهمش” من الأغلبية، والذى  تقطن أسرته فى ما يشبه الجيتو، حتى الأماكن التى اختارها للتصوير “مهمشة” مثل المقابر مقارنة بأماكن راقية كجاردن سيتى مثلا والتى ذهب البطل الى أحد مقار الصحف بها ليعرض على محرريها فيديو لإطلاق النار على المساجين، ونهاية بصوت البطل الذى لا نسمعه طوال أحداث الفيلم وكأن “عبد الله” يقول لنا أن البطل والذى يمكن أن يكون أنا أو أنت لا صوت له فى هذا الوطن، المواطن أخرس فى مواجهة قهر السلطة، فانعدام الصوت دليل على الانسحاق التام أمام سطوة وبطش وديكتاتورية النظام، سواء كانت عن طريق ممثليها الشرعيين “الشرطة –  الجيش – القانون” أو ممثليها الغير شرعيين “البلطجة – اللجان الشعبية”، الانسحاق هنا ليس معنويا فقط ولكنه انسحاق مادى وحقيقى.

نجح “عبد الله” فى نقلنا الى ذلك العالم “المهمش”، كما أحسن اختيار أماكن التصوير والغير مألوفة فى السينما المصرية، خاصة مشهد البحيرة القريبة من المقابر،  ودير سمعان الخراز بجبل المقطم، والفيلم بحواره القليل ومشاهده التى تمنح المتفرج فرصة للتأمل والتشبع بجمالياته بدلا من اللهاث وراء الأحداث المتسارعة، أشبه ما يكون بقصيدة بصرية، وتبدو المشاهد الخارجية التى تغلب على الفيلم وكأنها تشى بل وتصرح برغبة البطل فى الانطلاق والحرية، خاصة المشاهد المفتوحة، كما بيّنت شغف “عبد الله” فى “توثيق” المكان، منتقلا بالبطل من الحارة الى المقابر ومنشية ناصر وجاردن سيتى، فى استعراض “للقاهرة – المكان” التى لا نعرفها كثيرا، وربما غير مهتمين بمعرفتها أصلا، كل تلك الأحداث تدور وفى الخلفية ثورة قائمة وما ترتب عليها من انفلات أمنى وحواجز بالشوارع وفتنة طائفية وفوضى، وكأن المخرج أراد أن يقول لنا أنه حتى الثورة هى أيضا “هامشية”, ولا تحتل صدارة المشهد أو مركزيته، رغم وجودها منذ أول لقطة فى الفيلم.

أفيش الفيلم جاء مبهرا ومعبرا عن مضمون العمل، حيث ظهر البطل فيه مجرد شخص صغير يمشى على طريق مسفلت، وهو ينظر خلفه فى خوف أو ربما ينظر للماضى أو للاشيء، بدا وكأنه فأر مذعور، ووراءه تقبع مدينة الموتى بضخامتها المهيبة، ومبانيها المتراصة بجوار بعضها والخالية من أى شكل للحياة، فلا توجد بها أشجار أو خضرة، مدينة قاحلة، فقط جدران متراصة على مدى الشوف، بينما فى نهايتها يرتفع عمود من الدخان نحو السماء، دليلا على الثورة المشتعلة أو الفوضى التى تسرى فى المدينة، أما اسم الفيلم فقد جاء أيضا بسيطا وشعبيا، ومعبرا عن أحلام المهمشين البسيطة، والتى يظلون يسعون طوال حياتهم من أجل تحقيقها، فقط مجرد “فرشة” للنوم و”غطا” للستر.

ينتمى “فرش وغطا” لسينما البطل الأوحد، حيث تتابع الكاميرا “آسر ياسين” منذ المشهد الأول وحتى نهاية الفيلم، و للمفارقة فهو لم ينطق طوال ساعة ونصف تقريبا سوى بكلمة واحدة فقط، وقد أجاد فى التعبير عن مشاعر الشخصية بوجهه ونظراته التى كانت تحمل أحيانا عدم الفهم لما يجرى حوله من أحداث، خاصة فى استماعه من خلال الراديو أو التليفزيون لمجريات الثورة، يذكرنا هنا بأهل الكهف الذين استيقظوا من نومهم على عصر مختلف. لا توجد أسماء للشخصيات فى الفيلم، وكأنها متحررة من كل القيود حتى الاسم، متيحا مساحة أكبر للشخصية نفسها، للإنسان، بعيدا عن الأحكام المسبقة.

إذن ما الذى ينقص فى هذه اللوحة الفنية الجميلة؟، هناك شيئا ما فى السيناريو والذى كتبه أحمد عبدالله، خاصة فى الجزء الأخير المتعلق بالفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين، والذى يصلح لأن يكون فيلما مستقلا بذاته يناقش تلك القضية، حيث بدا لنا وكأنه فيلما داخل الفيلم الأصلى، فجاء مقحما أو ربما ثقيلا على الفيلم، وابتعد بنا عن الفكرة الأساسية لرؤية البطل “الهامشى” للحياة.

مشاهد الفتنة الطائفية تأتى ضمن أحكام مطلقة أصدرها كاتب السيناريو وطلب منا أن نصدقها، ولم يترك لنا – كمشاهدين –  أن نستخلص أحكامنا الخاصة بنا، التى تصلنا من العمل، أو يدع الأحداث نفسها تقودنا الى رؤية ما، وليس العكس، أى أن تكون هناك رؤية يسعى الفيلم لترسيخها فى ذهن المتفرج ويلوى عنق الأحداث عمدا من أجلها، ما أقصده هنا هو أن يتم السرد بنعومة بعيدا عن الصوت العالى أو الاكليشيهات، ترك الوقائع الإنسانية والمشاعر والمواقف تعبر عن ذلك بشكل بعيد عن المباشرة.

لا أعرف لماذا تم وضع ترجمة باللغة الانجليزية لصوت البطل المكتوم؟ “وأتحدث هنا عن النسخة التى تم عرضها فى دور العرض المصرية”، والسؤال الذى يطرح نفسه هل تختلف آليات تلقى المشاهد العربى عن المشاهد الأجنبى؟ وما الذى يريد صناع الفيلم توصيله للمشاهد الأجنبى ولا يريدون توصيله للعربى؟، وما الحكمة من كتم صوت البطل إذا كان ما يقوله مكتوبا على الشاشة بالانجليزية؟، واذا كان كتم صوت البطل جاء بهدف الإشارة الى “هامشيته” فى المجتمع وانه لا يمتلك صوتا ليعبر به عن نفسه، وهو ما أكد عليه أيضا كثرة المشاهد الصامتة فى الفيلم، فوضع ترجمة ما يقوله البطل يكسر بالتأكيد هذا الهدف من أساسه، ولماذا لم يفكر صناع الفيلم فى أن المشاهد العربى سوف يقرأ الترجمة الانجليزية على الشاشة لصوت البطل الغير مسموع ليفهم ما يقوله.

“فرش وغطا” خطوة مهمة فى مشوار أحمد عبد الله، والذى يمتلك مشروعا حقيقيا فى السينما المصرية، سواء اختلفنا مع رؤيته أو اتفقنا معها، وأفلامه القادمة ستعبر أكثر عن ذلك المشروع.

الفيلم

مشاهدة الفيلم
2018-05-24T04:57:24+00:00

Leave A Comment