عن غنيمي والرقص بين الطبقات

عن غنيمي والرقص بين الطبقات

كتب :علي حسين العدوي

من يشاهد الأفلام القصيرة الثلاثة التي أخرجها “أحمد غنيمي”، أو “غنيمي” كما يناديه أصدقاؤه يجد أن هناك ثمة رابط أو شيء يجمع بينهم، حيث أن الثلاثة أفلام تهتم بعلاقات السلطة بين البشر على اختلافاتهم وتبايناتهم وعالمهم.

كذلك قال “غنيمي” ذات مرة جملة تعكس تصوره عن السينما، قال:- (هي السينما إيه غير اتنين ف مكان بيكلموا بعض، وبينهم (tension أي توتر.

لقطة من فيلم الشاطر عمرو انتاج ٢٠٠٩

في رأيي، أن هذه الجملة شديدة الدلالة كمدخل لقراءة أفلامه وعالمها وبداية مشروعه السينمائي.

البداية، كانت مع فيلم “الشاطر عمرو” الذي  كتبه وأخرجه “غنيمي” عام 2009 أثناء دراسته في مدرسة الجيزويت للسينما في الإسكندرية / الدفعة الثالثة. في رأيي، يحمل ذلك الفيلم نواة عالمه الذي سيتطور ويتعمق في فيلميه التاليين بشكل واضح وملحوظ. الفيلم مدته 7 دقائق تدور أحداثه بالكامل داخل مقر مركز الجيزويت بكليوباترا في الإسكندرية. يحكي الفيلم عن “عمرو” الطفل المؤدب الشاطر المطيع الذي يقوم بكل أفعاله بنظام، يأكل وجبة إفطار واحدة متكاملة تتكرر كل يوم في ميعاد محدد، يرتدي زيا مدرسيا؛ شورت وقميص وكرافتة محبوكة، وتسريحة شعر منظمة بفرق واضح في منتصف شعره، ربما كأي طفل ينتمي لعائلة من الطبقة المتوسطة أو المتوسطة العليا أو أغني، يذهب إلى مدرسة كبيرة عريقة كمدارس الجيزويت أو الرهبان، وهنا يبدأ بشكل خافت ظهور مفاتيح هامة لقراءة عالم غنيمي من اهتمام بفكرة الطبقات الاجتماعية، ومفتاح بصري حيث ملابس الشخصية وتفاصيلها من مظهر خارجي وطريقة كلام ولغة وعلامات تعبير تخبر الكثير عن تاريخها وعالمها وحياتها المضغوطين في الصورة ليسهل تخيلهم. هكذا نراه في أول الفيلم في صورة أبيض وأسود منغمشة مهتزة بشكل خفيف كأنها من ماكينة عرض سينما قديمة تستمر حتى آخر الفيلم. ثم سرعان ما يأتي صوت قوي يقتحم المشهد ويملأ فراغه الصوتي بشكل يهيمن على الصورة، ويبدو كأنه المتحكم فيها. الصوت لا يستأذن، يقتحم دائما كالسلطة بالضبط. وهذا مفتاح آخر سنجده في الفيلمين التاليين. يحتفي الصوت بالشاطر “عمرو” المنظم ثم يبدأ في تلقينه الأوامر والتوجيهات افعل ولا تفعل كأي أب أو معلم سلطوي، لكن “عمرو” كأي طفل يشعر بالملل والرتابة من النظام يريد أن يلعب ويلهو ويخرج ويكتشف العالم، وبما أنه يشعر بالخوف من ارتكاب الخطأ يحاول الهروب من باب جانبي علي الرغم من أن الباب الرئيسي واسع ومفتوح! يحاول “عمرو” الهروب عن طريق القفز. لكن ما يهم صوت الأب المعلم السلطوي هنا هو الانضباط والإتقان والدقة في طريقة عمل عقدة للحبل ليعلقها على الباب رغم يقينه أن “عمرو” سيفشل في القفز. يتهكم صوت الأب المعلم المتسلط على مبدأ (لكل فعل رد فعل مساوي له في المقدار، ومضاد له في الإتجاه) والذي يدرسه “عمرو” كمبدأ للفيزياء، لكن صوت السلطة يراه مبدأً قد يصلح للحياة أيضا، ويقول ليس كل ما يدرس أو نتعلمه نصدقه أو نعمل به؛ لكي لا يواجه القمع بمحاولات الفكاك والهرب والعنف، وهذا ما حاول “عمرو” بالفعل أن يقوم به. الصورة لازلت أبيض وأسود، قديمة وقاتمة، تتحرك الكاميرا في (كوريدورات) ضيقة وممرات مخنوقة داخل المساحة الضيقة المحددة أصلا للجيزويت، تسرّب في نفس المشاهد الإحساس بالضجر الذي يشعر به “عمرو” وهو لا يزال يحاول الهرب، لكن هذه المرة ضجّ تماما من السيطرة، وحمل مسدسا ليقتل ذلك الصوت الأبوي السلطوي الموجه المسيطر، لكنه لا يقدر؛ لأن المسدس لعبة غير حقيقي. إنما استطاع الشاطر “عمرو” أن يقتل الأب والخوف بداخله، وتحرر ليخرج إلى العالم من الباب الرئيسي، فتتفتح الدنيا وتنير الحياة وتكتسب ألوانها الطبيعية بسرعة كنهاية سعيدة ككل قصص الأطفال. ثم تظهر تترات الفيلم على خلفية أغنية أطفال تعكس أجواء الفيلم، وسيصبح ذلك تقليدا سيتبعه “غنيمي” في الفيلمين القادمين أيضا. كان الشاطر “عمرو” محاولة جيدة على الرغم من أن الصراع فيه قائم في رأيي على سبب فكري تجريدي ترميزي بشكل كبير بين منطقيين متعاكسين بشكل واضح وصافٍ، وليس من علاقات حياتية متشابكة.

لقطة من فيلم بحري انتاج ٢٠١١

في 2011 قام غنيمي بكتابة وإخراج وإنتاج بتمويل ذاتي فيلم “بحري”، فيلم مدته حوالى 12 دقيقة مستوحى من قصة حقيقية حدثت لـ”غنيمي” نفسه كما ذكر في نقاشات عدة حول الفيلم.

يبدأ الفيلم باستهلال جيد ومشوّق بصوت هادئ  –سنعرف فيما بعد أنه صوت “ياسر” أحد أبطال الفيلم – يحكي قصة غرائبية لترويض سمكة قرش -تتكئ على حواديت و أساطير الصيادين في بحري- على خلفية صورة ترصد مرجيحة تتحرك بسرعة، وكاميرا تتعقب أطفالا تجري أمامها، والكاميرا تتابعهم ببطء، وتترك المرجيحة بينما ينتقل صوت “ياسر” من قصة القرش لجمل من عالم الفيلم تبدو منفصلة لكنها متصلة بقافية ثم ينتهي تداعي “ياسر” بسؤال يأخذنا إلى عالم الفيلم، وقطع مفاجئ مكتمل غير مبتور على وجه “عمرو وشاحي” بطل الفيلم.

استهلال ممتاز يأخذنا لعالم الفيلم وقصته – كما يقول ملخص الفيلم–  “عمرو” يعمل على تجهيز مادة لفيلمه فيذهب إلى “بحري” المنطقة الشعبية الشهيرة في الإسكندرية ليصوّر؛ فيجد مجموعة من العيال تلعب، يأخذه مشهد اللعب فيبدأ بتصويرهم وتتداعى الأحداث…

تأتي الدراما والصراع والتوتر بعد سؤال “ياسر” لــ”عمرو” (هو إنت بتاع عيال؟!) لنجد عالم الفيلم وإيقاعه انتقل من رحابة الشارع والمراجيح وبحري وصخبها وأجواء المولد إلى ضيق كشك خشبي مهمل في الميناء الشرقي أو مكان بناء السفن، كل ذلك عبر لقطة تعكس لنا مهارة المونتاج (بيري معتز) والقطع الرشيق المنضبط الذي يحافظ على الإيقاع طوال الفيلم.

في الكشك، يأتي الصراع من تشكل علاقات سلطة جديدة بين “سيد” و”ياسر” (أبناء المنطقة) وبين “عمرو” (الوافد الغريب على المنطقة) ذرات السلطة المنتشرة حولنا في الحيز أو الفضاء الذي نتحرك فيه في حالة إعادة تشكل دائمة متجددة –من بيده السلطة؟ ومن تقع عليه السلطة-  وفقا للسياق من أشخاص ومكان وزمان والتاريخ السابق للعلاقات بينهم، أو لما يمثلونه من طبقات أو أفكار أو صور أو أنماط حياة. حيث يمكننا أن نرى “عمرو” كصورة أو تمثيل للفنان الغريب عن المكان القادم من طبقة ومنطقة سكنية أخرى، نستطيع أن نرى ذلك ونستدل عليه بصريا بالأساس من خلال مظهره وملابسه وكذلك عن طريق الآداء ولغة الكلام، وهذا ما أراه تصورا أساسيا –كما أسلفت– عند “غنيمي”؛ الاختزال وتمثيل تاريخ الشخصيات دون ثرثرة لاسيما وهو يصنع فيلما قصيرا؛ ليتركنا نرى أنه يفهم معنى ذلك جيدا.

رغم أن ذلك يبدو نمطيا في مظهر وملابس “عمرو” و”ياسر” –”عمرو” فنان يرتدي نظارة طبية وملابسه مبهدلة بعض الشيء، و”ياسر” يعمل على مرجيحة في الشارع يرتدي ملابس شعبية– لكن “سيد” الذي أدى دوره الممثل الكبير “محمد السيد” –ابن مسارح الإسكندرية– باقتدار يليق بردود أفعال السينما التي تعتمد على الصورة بالأساس، ودون مبالغات المسرحيين التقليدية المعتادة.

“سيد” الذي يظهر في لقطات من أول الفيلم يبدو كأنه صايع المنطقة، صايع بحري يرتدي قميصا مكوي وبنطلونا، ملابس تليق بالدور الذي سيستدعيه “ياسر” الذي بدوره احتجز “عمرو” (الغريب) في الكشك من أجله. يأتي “سيد” ليستجوب “عمرو” كضابط محقق أو وكيل نيابة بهدوء وصبر و وعود بعدم الإيذاء أو العنف البدني، تماما كضابط قد يكون قابله “سيد” من قبل. يسأل “سيد” نفس السؤال ثلاث مرات (أنت بتصور العيال دول ليه؟؟) بتقطيع هادئ، بسعادة السيطرة غير مكترث بـ”عمرو” وردوده، مكتفيا بنشوة ممارسة السلطة، وربما التشفي من كل ما يمثله “عمرو” (الغريب).

“ياسر” يختلف عن “سيد”، “ياسر” يعمل على مرجيحة في الشارع كل يوم، لكنه يرى منظرا غير معتاد بالنسبة له، يرى شخصا يحمل كاميرا ويجري وراء أطفال ليصورّهم. فيشغل باله سؤال طبيعي ومنطقي من وجهة نظره، ومن وجهة نظر الخيال الشعبي في عالمه وحياته عن ماهية ذلك الشخص و(هل هو بتاع عيال ولا ايه؟!)

في الكشك أيضا، “ياسر” يختلف عن “سيد”، “ياسر” يريد أن يعرف، يريد أن يتواصل ويتحاور مع “عمرو”، يشعر أن ثمة شيء ما يربط بينهما، ربما يكون أن كلا منهما له علاقة بالفن أو التسلية أو ربما اللعب مع الأطفال، تلك الرغبة في المعرفة والتواصل التي تلمع في عينيه من خلال أدائه المتميز، والذي أعتبره الأفضل في الفيلم. يحكي “ياسر” عن المرجيحة، كيف يصنعها منذ أن يرسمها بنفسه وحتى تركيبها واللعب مع الأطفال. لكن “عمرو” خائف و صامت لا يتكلم، مما يجعل “ياسر” يشعر بالخزي الذي يتحول إلى رغبة في الإذلال وممارسة السلطة فيأمره (ارسملي وزة!) سلطة “ياسر” تتقاطع مع سلطة “سيد” في أنها ليست عنيفة بدنيا، لكنها أعنف نفسيا، قاهرة، انضباطية، تراقب وتضبط وتطلب تعديلات حتى تشفي غليلها من إهانة التجاهل، وهنا يأتي جمال إحكام السيناريو الذي يعطيك طوال الوقت بالصورة والحوار طبقات للتلقي والشعور والتأويل. فنستطيع أن نرى ردود أفعال “عمرو” –التي أداها “عمرو وشاحي” بشكل جيد– حيث نرى وجهه مركزي في الصورة، يعكس ردود أفعال خائفة ومترددة و متلعثمة في الرد على الصوت السلطوي الاّمر الذي يحتل الفراغ في أكثر من مشهد. وهذا ما نجده دائما عند “غنيمي” لكن ربما بشكل أوضح في الفيلم القادم “الكهف”.

فنجد أن ردود “عمرو” المختلفة على سؤال “سيد” المتكرر ثلاث مرات عن ماهية ما يفعله، تحديدا في بحري، ربما تصلح للشعور والتفكير فيها كإجابات صادقة عن سؤال الفن عندما يخرج من عزلته وطبقيته، ويحتك ويهتم بقطاعات وقضايا أوسع من أنانيته الضيقة.

ينتهي الفيلم بجمال صورة حصان يستحم في الصباح الباكر –أبدع في تصويرها “إسلام كمال”– حيث يطرد “عمرو” من جنة ذلك الجمال، ويحرّم عليه الرجوع إليها مرة أخرى، وصوت الموج الخفيف يتهادى، والأسئلة تتداعى ثم تظهر تترات الفيلم على خلفية أغنية شعبية عالية من أجواء الفيلم تشوّش على الأسئلة.

أما في “الكهف” نحن أمام تجربة إنتاجية أكبر وأكثر احترافية، يحكي الفيلم حكاية “أدهم” ويقدم لنا صورة نرى العالم فيها من وجهة نظره. “أدهم” شاب قادم من الإسكندرية، قوي البنيان، نبدأ في التعرف على ملامحه في المشهد الافتتاحي من خلال تقديمه (اختبار آداء) أمام “محمود رفعت” –الموسيقي والمنتج- في استوديو مظلم إلا من إضاءة قوية مسلطة على “أدهم” نتعرف عبرها على ملامح وجهه الحادة.

يقدم مقطوعاته من الموسيقى المختلفة أو ربما التجريبية -عمل عليها مع صديقه- في جو من الضغط والتوتر والتعلثم في الكلام، كأنها أجواء امتحانات المدرسة، يظهر وجهه متوسطا في المشهد، قلقا، متلعثما أمام صوت الخبرة والمعرفة والمثالية والمعيار في الموسيقي الذي يحتل فراغ المشهد، ويجعل من “أدهم” القوي الضخم ضئيلا أمامه، يليه قطع نرى بعده وجه “محمود رفعت” على الدرامز وكأنه يقدم الموسيقى كما يجب أن تكون ليتعلم “أدهم”.

لقطة من كواليس فيلم الكهف يظهر فيها أدهم بطل الفيلم وفي الخلفية احمد غنيمي مخرج الفيلم.

يخرج مخنوقا مضغوطا تسير الكاميرا من خلفه في ممر ضيق كأنها تفكر معه إلى أين يذهب؟

يهرب “أدهم” إلى المطرية، إلى الجانب الآخر من حياته، يذهب ليشترك في تمثيلية مع زملائه الشعبيين لتثبيت أحد معارفه والنصب عليه، و إمعانا في حبك التمثيلية يسرق زملاؤه تليفونه المحمول أيضا، ومن خلال حوار “أدهم” معهم لاستعادة الموبايل – في مشهد في تصوري هو أجمل مشاهد الفيلم –  يتضح أمامنا بصريا، ومن خلال الصورة، وحركة الكاميرا، وأداؤهم التمثيلي العفوي -كأمتع مشاهد التمثيل في الفيلم- تظهر محاولات “أدهم” الحثيثة المتهافتة في الظهور كصايع شعبي أصيل في لغة الكلام، وحركات الجسم والمظهر، في مقابل الصياعة والمكر والشيطنة الشعبية الأصيلة عند زملائه.

يعود “أدهم” إلى حياته، يذهب إلى بيت صديقه على الغذاء، ويتناول طعاما قليلا مع صديقه وأم صديقه، نستشعر توجس الأم من “أدهم” عن طريق الترحاب والضيافة المبالغ فيهما.

نتعرف على “أدهم” أكثر ونرسم تصورا عن حياته وتاريخها بصريا عن طريق بيت صديقه، وتفاصيل حياته حيث يبدو أنهما يشتركان في الكثير من الأمور كما يلعبان المزيكا معا.

يبدو أدهم كابن لطبقة وعائلة برجوازية غنية، لكنه ليس وثيق الصلة بها، حيث يتحدث ببحة حزن عن والده المسافر إلى البرازيل ويمكن أن يكون رجل أعمال مثلا.

في فيلم يظهر بطله مهتما بالموسيقى من الطبيعي أن يكون جزءا من بنية شريط الصوت في الفيلم هو الموسيقى، بناءا على ذلك نستطيع أن نستشعر توترا في علاقة الصديقين الموسيقيين “أدهم” وصديقه صاحب البيت، عندما ينفرد به الصديق في غرفته يتحدثان عن مقابلة “محمود رفعت” التي أخفقت، ثم يلعب موسيقى تصل إلى نغمة خشنة وضخمة، نستشعر منها ضيق الصديق من “أدهم” الذي يعيش حياته بعدم اكتراث وخفة وملل، يتخلي عن ميعاد منتظر مع حبيبته المزعومة كسبا لود صديقه ويذهب معه للجيم.

مثل التثبيت في المطرية، نجد في الجيم ذات الأجواء الذكورية العنيفة الخشنة، “أدهم” يتفاعل بقوة هذه المرة ضمن تكوينات عضلية تتضخم في الظل عندما أظلم الجيم فجأة خلال العراك الذي حاول “أدهم” أن ينتصر فيه لصديقه الذي بدا غيورا من “أدهم” بسبب كاريزمته وتعرفه على الناس سريعا فيخذله ويتركه.

هذه الضغوط المكتومة البادية على حدة ملامح وجه “أدهم”، و توتر لغته بسبب مجرى حياته مع عائلته، مع طبقته، أو حتى مع صديقه، لا يوجد من يفهمه أو يسعى جديا للتواصل معه.

كل تلك الضغوط تشده للهامش، تدفعه للكهف، للجانب السري المخفي من حياته، وكما تسحبه حياته تدفعه المدينة إلى هامشها في المطرية؛ لكي يمارس هوايته في أن يكون صايع وسط عائلته وطبقته وأصدقائه، وساذجا في المطرية، وسط أبناء المكر والشيطنة. على أية حال، يبقى “أدهم” غريبا حائرا بين حياته وهامشها، يرقص بين طبيقتين، ينفث دخان سيجارته، ويبدو كشخص ضد نفسه يسعى إلى تنفيس الضغوط والخيبات و كسر الملل.

ينتهي الفيلم – كعادة “غنيمي”– بأغنية مهرجانات تستكمل الأجواء وإيقاع الفيلم.

يصعب على من يشاهد أفلام “غنيمي” الثلاثة ألا يلاحظ بسهولة أن أجواء أفلامه ذكورية جدا، لا أقصد أنه يتبنى وجهة نظر ذكورية أبوية قمعية ضد المرأة، ولا أقصد أن ذلك سبب عيب أو خلل في الأفلام، لكن أقصد أن كل شخصيات أفلامه ذكور. الوجود الأنثوي هامشي جدا، وهش في فضاء أفلامه.

يبدو ذلك طبيعيا لانشغاله في الأفلام الثلاثة بعلاقات السلطة والسيطرة  والصراع الذي يبدو واضحا خشنا عنيفا، سواء كان نفسيا أو بدنيا في عالم الذكور، كما أنه من الممكن ألا يريد أن يبدو نمطيا تقليديا فيصوّر امرأة مقموعة. كل ذلك مفهوم لكنه لا ينفي حاجة “غنيمي” للتعبير سينمائيا عن عوالم أوسع وأرحب في العلاقات الإنسانية، تحوي تمثيلات بصرية تشمل الرجال والنساء أكثر عمقا وبعدا عن النمطية.

كما أعتقد أن ذلك يستتبع بالضرورة سعي “غنيمي” إلى مزيد من التجريب في الشكل والأسلوب، عن طريق مزيد من الحيل والألعاب الدرامية في السيناريو، والاهتمام أكثر بشريط الصوت، واللعب على أسلوب البداية بمشهد تشويقي، والنهاية بأغنية، وتناول الموضوع الطبقي –الأساسي لدى “غنيمي”– من زوايا مختلفة غير الحركة بين طبقتين.

2018-05-24T04:36:17+00:00

Leave A Comment