خواطر و ملاحظات حول السينما المستقلة في مصر

خواطر و ملاحظات حول السينما المستقلة في مصر

كتب : أحمد حسونة

منذ عشرة سنوات، في عام ٢٠٠٥ أقامت مؤسسة كادر (تنمية الوسائل السمعية و البصرية) بالتعاون مع المهرجان الأوروبي بالقاهرة، برنامج للسينما المستقلة في مصر، صاحبه كتاب عن السينما المستقلة من إعدادي و إعداد الزميل العزيز محمد الأسيوطي

و قد أثار الكتاب الكثير من الجدل، بين مؤيد ومعارض لفكرة السينما المستقلة، ماهيتها، و هل هناك ما يسمى بالسينما المستقلة؟ و قد لاحظت في الآونة الأخيرة أن العديد من المخرجين تخلوا عن هذا المصطلح، بل أصبحوا يرون أن هذا المصطلح يضرهم حيث يحجم الجمهور عن مشاهدة أفلامهم!.

هذا التحول ناتج عما ذكرته من قبل في كتاب السينما المستقلة في مصر” إن السينما المستقلة ليست حركة فنية بالمعنى المتعارف عليه، إنما هي حركة براجماتية إن جاز هذا التعبير. اذ ان الهدف منها هو تذليل الصعوبات و المعوقات التي تقف حائلا أمام صانع  الفيلم و محاولة تقديم إبداعه، دون الخضوع لشروط السينما السائدة”

و بالتالي لا أحبذ وصف السينما المستقلة بأنها حركة  فنية، فهي ليست حركة مثل الدوجما أو السينما الألمانية الجديدة، أو السريالية، فلم يصدر بيان عن صانعي الأفلام يحدد ملامح الحركة، ولم تكن مجموعة واحدة، إنما مؤلفة من أفراد أو مجموعات صغيرة، تختلف رؤاهم الفنية و موضوعاتهم، و كان هناك عدة محاولات لتجميع السينمائيين المستقلين تحت مظلة واحدة، و لكن جميع المحاولات باءت بالفشل.

هذا الإنكار للمصطلح، له علاقة أيضا بمفاهيم الفن الغامضة التي تسيطر على المجتمع والمبدعين بأن الوحي هو أساس الفن فقط، و أي محاولة لتفسير هذا الوحي أو التعامل معه بشكل نقدي أو واعي من قبل المبدع، سوف يفسد العمل الفني، أو سينفي عن صانع الفيلم صفة المبدع، مما يؤثر على التركيبة الثقافية للمبدع و معطيات تناوله لعمله الفني، و يجعله ينأى عن أي تصنيفات أو تفسيرات لمضمون العمل بحجة أنها ليست بمسئوليته.

و لكن على المستوى الفني، هناك الكثير من الأفلام المستقلة الطويلة التي ظهرت خلال العشر سنوات الماضية، قدمت مواضيع وأساليب فنية مختلفة عن السائد في السينما المصرية و تدل على وعي و فهم عميق  لصانعي الأفلام و مدى اهتمامهم بأن يكونوا متفردين و مستقلين، قادرين على تحقيق رؤيتهم الخاصة، بداية من كتابة السيناريو، و مرورا بالمنح الإنتاجية خارج النظام السائد.

هذا الإستقلال سلط الضوء علي  أفلامهم  نقديا سواء بالاستحسان أو الاستهجان كأي عمل فني آخر، و أهتم العديد من النقاد بالسينما المستقلة كظاهرة، سواء وافقوا علي المصطلح أو وقفوا ضده، و طرحهم لمصطلحات أخرى مثل مصطلح السينما الجديدة أو البديلة.

النقاش حول مصطلح السينما المستقلة، و هل هو مصطلح صحيح أم خطأ، هي فكرة عبثية من الأساس. فقيمة المصطلح، تعود إلى قدرة مستخدمه علي تفسير عدد من العناصر أو الأحداث بشكل متسق يعطينا قراءة جيدة للظاهرة و تحليلها، بالإضافة إلي قدرته علي تطويره لمواكبة التطورات التي تستحدث، فكل ناقد أو باحث له الحق في استخدام المصطلح الذي يراه مناسبا بناء على الفرضية، و النتائج التي يريد أن يصل إليها، فليس هناك تعريف جامع مانع شامل للسينما المستقلة.

فالقضايا الجمالية و الإنتاجية و غيرها تتغير بمرور الوقت، فمثلا كانت الطفرة الأولي في السينما المستقلة في مصر عندما ظهرت كاميرات الـ DV نتيجة رخص ثمنها، و جودة الصورة.  كان التعامل مع الكاميرا في معظم الحالات مبني على جماليات السينما، وليس الفيديو ماعدا بعض المخرجين الذين اهتموا بتبني جماليات الوسيط المستخدم مثل حسن خان و شريف العظمة، وقد اندثرت قضية جماليات الوسيط في رأيي مع ظهور كاميرات الDSLR  التي صممت علي تحقيق  جماليات السينما  بسهولة، لتحل محل كاميرات السينما، وندخل علي مشارف عصر موت السيلولويد.

فهناك اهتمام نقدي بشكل عام للسينما المستقلة، و لكننا نستطيع أن نقول أنه لم يتم التركيز على العلاقة  بين الفيلم من الناحية الجمالية و المنظومة الإنتاجية للفيلم المستقلة من ناحية، وكيفية تأثير هذه العلاقة علي المنظومة السينمائية في مصر.

هذا الاهتمام النقدي جعل صناع السينما السائدة يبحثون عن إمكانية المشاركة في صنع هذه الأفلام وتوزيعها، وهو تطور تاريخي طبيعي للسينما المستقلة كما حدث في أمريكا مع الفرق في منظومة السينما بيننا و بين أمريكا، و تلعب شركة فيلم كلينك، و  ماد سولوشنز دورا مهما في  إنتاج و توزيع الأفلام المستقلة في الوقت الراهن .

الفيلم المستقل ينسب عادة للمخرج وليس المنتج، يقدم من خلاله رؤية ذاتية وفنية في إطار فني خارج منظومة الأنواع أو بداخلها، و لا يسمح للمنتج أن يعبث بها، و صمود الفيلم في دائرة السينما المستقلة يعتمد على مدى حرص المخرج أن ينفذ ما يريده، وأن يكون الفيلم ذو قيمة فنية. فعلي سبيل المثال، فيلم كلينك تقدم أفلام ذات ميزانية منخفضة و هي شركة مستقلة ليست قادرة بفرض قواعد علي السوق المحلي، تقوم بإنتاج أفلام مستقلة مثل “ميكروفون”، و في ذات الوقت أفلام منخفضة التكاليف مثل “وردة” حيث القرارات الفنية تكون في الحالة الأولي في يد المخرج، بينما في الثانية يتدخل فيها المنتج لأنه فيلم يهدف إلى تعظيم الربح ، فعلى سبيل المثال قام المنتج (غالبا بالاتفاق مع مخرجه) بتعديل نهاية “وردة” بناء على عرض اختباري قامت به الشركة الموزعة ماد سولوشنز.

و هنا نطرح السؤال كما طرحه جيوف كينج في مقدمة كتابه  “السينما الأمريكية المستقلة”، وهو “إلى أي مدى يعتبر الفيلم مستقلا”، بمعنى آخر إلى أي مدى سيكون الفيلم مختلفا عن أفلام هوليود من ناحية منظومة الإنتاج، و التكاليف، و أسلوب الفيلم، و طريقة السرد، و تناوله لموضوعات ذات طبيعة ثقافية و سياسية و إجتماعية مخالفة للسائد. فدائرة السينما المستقلة تتدرج في انتمائها لذاتها من مركز الدائرة  التي تجتمع فيه جميع صفات السينما المستقلة، إلي حدود الدائرة التي تقل فيها معايير السينما المستقلة، و تتلامس أو تندمج مع السينما التجارية.

هذا التلامس أو الإندماج مع السينما التجارية هي المرحلة الجديدة التي تدخل فيها السينما المستقلة في مصر، من خلال أفلام مثل “القط” لإبراهيم البطوط “، من إنتاج زاد كوميونيكيشن و توزيع دولار فيلم، و فيلم “ديكور” لأحمد عبد الله، من إنتاج نيو سينشري.

ووجود دار عرض  مثل “زاوية” كأول “Art house cinema” في مصر تقوم بعرض الأفلام المستقلة ذات المستوي الرفيع مثل فيلم “الخروج إلي النهار” لهالة لطفي، الذي لا يجد  فرصة له في دور العرض التقليدية، أو إعادة عرض بعض الأفلام المستقلة التي لم تستطع الصمود في دور العرض لمدة طويلة مثل “هرج ومرج” لنادين خان، ساعد علي إكمال المنظومة التي تحتاجها السينما المستقلة في مصر، والتي في حاجة دائمة إلى المزيد من جهات التمويل والإنتاج والتوزيع ودور العرض حتى يتعاظم وجودها في مصر .

القاهرة ٢٠١٥

2018-07-03T14:05:17+00:00

Leave A Comment