حياة للمخرج /إسلام كمال

حياة للمخرج /إسلام كمال

كتبت: ياسمين أكرم

ربما هى قصة مألوفة عن فتاة مات حبيبها فأنكرت موته وظلت تنتظره إلى الأبد، ربما هي حكاية أخرى عن الموت، عن الحزن، عن الوحدة والاغتراب. حكاية تتكرر وتترك أبطالها عاجزين عن المضي قدما في حياتهم، عن شخصيات لا تخطو خطوة في حياتها إلا بدافع الحب، وفي لحظات الفقد يتلاشى لديهم المعنى من كل شيء .

حياة فتاة متوسطة الجمال، تعيش مع والدها العجوز في أحد المنازل المتواضعة، من بداية الفيلم وهي تتحدث وتتحرك في سياق واحد لا يتغير، ترتدي الملابس نفسها، الحذاء نفسه، تصفف شعرها بنفس الطريقة، ثم تقف في الشارع تنتظر شخصا ما، تتعرض لبعض المضايقات التي لا تثنيها عن انتظارها لذلك الشخص، تعود مرة أخرى لمنزلها، نراها منهكة تصعد السلالم بصعوبة وعندما يفتح لها والدها الباب، لا يتحدثان، فقط نراها من شدة التعب تخلع حذائها عند الباب، تدخل غرفتها، تزيل مساحيق التجميل، تقوم بمكالمة معينة، الطرف الاّخر لا يرد، تُخرج إحدى شرائط الكاسيت وينتهي الأمر .

لقطة من الفيلم

تتكرر الحكاية كل يوم بنفس السياق ولكن في كل مرة يتكشف لك جانبا آخر من القصة، مثلاً تستمع إلى المكالمة اليومية التي يجريها والدها قبل عودتها، وبالتالي تتعرف على هوية الشخص الذي يدافع عنها في كل مرة يضايقها فيها أحدهم، في مرة أخرى يظهر الطرف الآخر الذي تهاتفه حياة باستمرار فلا يرد، ويتضح أنها سيدة في أواخر الخمسينات ترتدي الأسود، وتظهر صور متفرقة لشاب ما في أنحاء مختلفة من منزلها، نفهم فورا أننا أمام أم فقدت ابنها، وفتاة فقدت حبيبها، واحدة تتصالح مع الموت، والأخرى لا تعترف بوجوده .

لو أن أحدهم قص على أحداث الفيلم دون أن أراه، لشعرت بالملل الشديد، ولكن صحيح أن للمرء بصمة وروحا يبثها في أكثر الأشياء عادية فيختفي إحساسك بالتكرار، وإن بقي إحساسك بالألفة، يهيأ لي أحيانا أنه يمكن للمرء النظر للأمور من عدد لا نهائي من الزوايا، وهذا ما فعله إسلام كمال في فيلمه “حياة”.

على سبيل المثال: في الفيلم دائما ما نجد بيت الأب مظلما، والتلفاز هو مصدر النور الوحيد، والرجل ضائع بين قنواته، كما يضيع الناس يوميا بين الكثير من الأشياء والوجوه في محاولة للنسيان، بينما نجد حياة تحرص على إضاءة غرفتها، وفي تكرارها لنفس التفاصيل يوميا تجد خلاصها، أو يهيأ لها أنها وجدته، استوقفني أيضا مشهد عودتها إلى المنزل، الإحباط والصمت الذي يلفها يشي بمدى وعيها بما حدث، واستيعابها لموت حبيبها، والدها ونظرات الناس ومنزلها المظلم هم الحقيقة التي تختم قصتها الحزينة كل يوم، الحقيقة التي تعود إليها فتتجاهلها كأنها غير موجودة .

أحب بشدة كيف يبدأ الفيلم وكيف ينتهي، وكيف تخاطبك حياة بنفسها في المرتين عن طريق مشاهد صامتة ولكنها تقول الكثير، عبد الوهاب يتحدث نيابة عنها في المرتين، يوثق استعدادها لملاقاة حبيبها المسافر، كيف تتزين من أجله، كيف يبدو أيضا ظلام روحها، وفي النهاية نعود لعبد الوهاب وهو يشدو برائعته “يا مسافر وحدك” ويوثق مشهدا لفتاة ضائعة تلوح لأحدهم ويشرق وجهها فجأة ثم ما يلبث أن يظلم مجددا، تستدير حياة و تعطيك ظهرها وتكمل سيرها عكس اتجاهك في رحلة انتظارها الأبدية .

الحب يشكل جسرا لا ينقطع بين الناس أحياءً أو أمواتا، لأنه يؤلف بين الأرواح في المقام الأول، والروح لا تموت، ربما أدركت حياة هذا أكثر منا جميعا .

الفيلم

2018-05-26T04:14:36+00:00

Leave A Comment