انطلقت منذ عشرين عاما ولم تصل بعد

انطلقت منذ عشرين عاما ولم تصل بعد

في محاولة تعريف “السينما المستقلة”!

كتب :عصام زكريا

عصام زكريا

في نهاية عام 2001 جمعتني عدة جلسات مع أصدقاء سينمائيين كانوا يعدون لتأسيس كيان لإنتاج الأفلام القصيرة منخفضة التكاليف، تصور بكاميرات رقمية صغيرة، ويتم توليفها باستخدام الكمبيوتر، أطلقوا عليه اسم شركة “سمات لإنتاج وتوزيع الأفلام المستقلة”.

“سمات” لم تكن شركة حقيقية، وإنما جمعية أهلية تحصل على تمويل من مؤسسات ثقافية أجنبية، ولا تهدف للربح، ولكن لأن إنتاجها يعرض للبيع؛ فقد كان يجب تسجيلها كشركة للتحايل على قانون الجمعيات الأهلية.

عرض علي الأصدقاء الانضمام إلى مجلس إدارة “سمات” ولكنني اعتذرت مكتفيا بالإشراف على المجلة التي ينوون إصدارها، والتي أطلقنا عليها اسم “نظرة” وكانت أول وآخر مجلة تصدر بالعربية متخصصة في “السينما المستقلة”.

في تلك الفترة كان مصطلح “السينما المصرية المستقلة” لا يزال جديدا ومثيرا للتساؤل والجدل والخلاف أحيانا، وكان أحد الاهتمامات الأساسية التي شغلتني لسنوات هو البحث عن هذه السينما وتعريفها سواء من خلال “نظرة” أو قسم outsiders الذي كنت أقوم بتحريره في مجلة “سينما جودنيوز” أو غيرها من الكتابات.

خلال السنوات الثلاث الأخيرة قل اهتمامي بعض الشيء بالسينما المستقلة معتقدا أنها باتت معركة قديمة وحقيقة مسلم بها، ولكنني اندهشت جدا خلال مؤتمر عن السينما عقدته الجامعة الأمريكية في القاهرة منذ أسابيع عندما استمعت إلى نفس الجدل العقيم الذي يتردد منذ خمسة عشر عاما أو يزيد!

هذا الجدل له جذور لا تتوقف عن إنتاج ثمارها المعتلة. أولها أن مصطلح “المستقلة” فرض منذ البداية الخلط والمقارنة بين ما يشير إليه المصطلح في مصر، وما يشير إليه في أمريكا وبلاد وفترات زمنية أخرى. اسم “مستقلة” يصف تنويعات مختلفة من الحركات والظواهر السينمائية خلال فترات تاريخية مختلفة. والمثل الذي أضربه دائما لتوضيح ذلك أن كلمة “سينمائيون مستقلون” ظهرت لأول مرة لوصف مجموعة من صناع الأفلام حاولوا مواجهة احتكار مخترع السينما إديسون لآلات التصوير والعرض وتأجير الاستديوهات، فقاموا خلال العقد الأول من القرن العشرين بتأسيس “هوليوود” التي باتت فيما بعد عاصمة السينما التقليدية السائدة التي “يستقل” عنها الشباب جيلا وراء جيل!

مصطلح “مستقلة” لا ينبغي التعامل معه، إذن، إلا باعتباره اسما مثل “مصطفى” أو “جاك” لا يمكن فهم المشار إليه إلا عندما نضيف إليه أسماء أخرى مثل “المخرج السينمائي مصطفى العقاد” أو “جان جاك روسو”، والاسم المقصود في مقالنا هذا هو ” ظاهرة الأفلام التي سميت بالمستقلة في مصر منذ بداية التسعينيات وحتى الآن “. هذه الظاهرة يمكن أن تكون مختلفة عن تسمية “المستقلة” التي أطلقت على ظواهر مشابهة في بلاد وفترات أخرى.

لماذا حددت تاريخ الظاهرة ببداية التسعينيات؟ لأن هذه الفترة شهدت ثلاثة أحداث جسام غيرت وجه المنطقة وشعوبها، وساهمت في مولد ظواهر كثيرة من بينها “السينما المستقلة”. هذه الأحداث هي حرب الخليج الثانية بنتائجها السياسية الكارثية والكاشفة عن مدى الضعف والزيف والادعاء الذي يعيشه العالم العربي، وقد تزامنت هذه الحرب مع بدء بث أول فضائية عالمية وهي قناة CNN التي نقلت وقائع الحرب على الهواء مباشرة، فيما بدا أنه تعرية وفضح لعورات المنطقة ووسائل إعلامها الدعائية الكاذبة. الحدث الثالث هو الثورة الرقمية بشكل عام التي انتقلت إلى العالم العربي تدريجيا من خلال الكمبيوتر والكاميرات والهواتف النقالة وغيرها.

هذه الفترة شهدت أيضا أول استخدام للكاميرا الرقمية في صنع الأفلام في مصر من خلال ورشة تعليم التصوير التي نظمها المركز الثقافي السويسري “بروهلفستيا”، كما شهدت بزوغ موجة جديدة في السينما الأمريكية أطلق عليها السينما المستقلة شاركت أفلامها في المهرجانات السينمائية الدولية ومن بينها مهرجان القاهرة، ومن ثم بدأ استخدام مصطلح “السينما المستقلة”، وتردد على ألسنة الكثير من السينمائيين الشباب الذين استخدموه لوصف ما يصنعونه أو ما يتمنون أن يصنعوه من أفلام!

من اللحظة الأولى لاستخدام المصطلح بدأ الجدل حوله، وهو جدل ظل يتصاعد مع زيادة انتشاره واستخدامه، جدل ساهمت فيه وغذته وسائل الإعلام التي بدت مبهورة به، وفي الوقت نفسه مرتبكة وغير مستوعبة لمعناه، كما ساهم في تغذيته سينمائيون ونقاد ناصبوه العداء منذ اليوم الأول لأسباب مختلفة.

لقد بدا غريبا في مناخ لا يعرف أصول وضع التعريفات العلمية واستخداماتها أن يتعاملوا مع مصطلح يصف ظاهرة لا وجود لها بعد! لقد كان ما يعرف بـــ”السينما المستقلة” يتشكل أمام أعيننا كل يوم، ولكن كل واحد كان في ذهنه صورة عن المصطلح، تشبه سرير بروكوست، يرفض الواقع ويتشاجر معه كلما جاء أضيق أو أوسع من هذه الصورة!

منذ البداية كنت مدركا لضرورة عدم التسرع في وضع تعريف للسينما المستقلة في مصر لأنها شيء قيد التكوين، وقد كتبت في إفتتاحية العدد الأول من مجلة “نظرة” الصادر في ربيع 2002 ما يلي:

” عندما نتكلم عن سينما مستقلة في مصر نجد في انتظارنا مهمتين، لا مهمة واحدة. علينا في البداية أن نحدد ماهية الشيء أو الأشياء التي يفترض “الاستقلال” عنها، ومن ثم يمكن الانتقال إلى تعريف وتحديد هوية السينما المستقلة في مصر.”

وفي إفتتاحية العدد الثالث الصادر شتاء 2003 ” ومع تصاعد الجدل حول ما هو مستقل وما هو غير مستقل كتبت:

“منذ اللحظة الأولى التي ولدت فيها هذه المجلة كنت حريصا على أن نؤجل تعريف السينما المستقلة بشكل مانع جامع، وأن نوفر جهد الخوض في التعريفات في التعرف على الأشياء أولا”.

وقد أنهيت هذه الإفتتاحية بالعبارة التالية:

” ما هي السينما المستقلة إذن، إذا لم تكن حرية الأفراد في خوض تجاربهم إلى النهاية؟ وكيف سيكون هناك سينما مستقلة إذا لم نوفر –أولا- المناخ الملائم للأفراد في خوض هذه التجارب، حتى تنضج وتكتمل بعيدا عن الأحكام السريعة والجدل العقيم؟”

بعد ذلك بأربع سنوات في تقديمي لكتاب “ديموقراطية الوسيط. صعود السينما المستقلة في مصر” الذي كتبه محمد ممدوح توثيق الظاهرة كتبت واصفا هذه الأيام الأولى:

” لم يخطر ببال أحد أن هناك ظاهرة قادمة لن تكون تقليدا لأحد، ذات خصائص مميزة حتى لو كانت تشبه تجارب بلاد أخرى، وحتى لو كان التعبير مستوردا، وحتى لو كنا أطلقنا عليها تعبيرا آخر، فإن هذا الكائن الوليد كان سينمو ويشق طريقه بنفس الطريقة بغض النظر عن اسمه”.

اليوم، بعد ما يزيد عن خمسة عشر عاما من التعامل مع المصطلح وما يدل عليه (من أفلام وتجارب وطرق في الإنتاج والعمل)، يمكنني أن أجرؤ على وضع تعريف له.

ولكن قبل أن أضع التعريف يجب أن نتفق أولا على تحديد ما نتكلم عنه. هذا التعريف لا يقصد به “السينما المستقلة” في المطلق، ولا “السينما المستقلة المصرية” في المطلق. ولكن هذه “السينما المستقلة التي ظهرت في مصر خلال العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الواحد والعشرين”. وهي:

” نوعية من الأفلام المصورة بكاميرات رقمية صغيرة، أغلبها روائي قصير أو تجريبي أو وثائقي، ذات ميزانيات منخفضة جدا، وتعتمد غالبا على التمويل الذاتي، والجهود التطوعية، أو تم إنتاجها كمشاريع دراسية في المعهد العالي للسينما ومدارس وورش السينما الخاصة، أو ضمن برامج دعم شباب السينمائيين والأفلام القصيرة والتسجيلية، سواء كانت هذه البرامج أهلية أو حكومية. وهي أفلام لا تصنع بهدف العرض التجاري العام، وإن كانت تسعى إليه. ويندرج تحت هذه النوعية بعض الأفلام الروائية الطويلة التي أنتجت ووزعت بالطرق التجارية السائدة، ولكنها تحمل اسم “مستقلة” نظرا لانطباق الشروط السابقة عليها. كذلك توجد بعض الأفلام التي لا تنطبق عليها كل الشروط السابقة إلا أنها توصف بـ”المستقلة” نظرا لتمتعها بمعظم أو أهم الشروط الأخرى”.

أرجو أن يساهم هذا التعريف في تقليص الجدل والخلاف، وليس زيادته!

*تنويه

تم نشر هذا المقال في جريدة السفير اللبنانية بتاريخ 01-08-2014 و هو إسهام من الناقد عصام زكريا للموقع .
2018-07-03T14:07:33+00:00

Leave A Comment