اللي يحب ربنا يرفع إيده لفوق

اللي يحب ربنا يرفع إيده لفوق

كتب : محمد زيدان

“اللي يحب ربنا يرفع إيده لفوق” فيلم تسجيلي ، من اخراج “سلمى الطرزي”، يتحدث عن قصة بدايات “أوكا وأورتيجا” اللذان  يعتبران أحد أهم المؤسسين  لموسيقى وأغاني المهرجانات ، والتي كان لها تأثير مهم في حياة شباب هذا الجيل، سيستمر فيما بعد أيضا.

إن للفيلم التسجيلي شكل يختلف تماما عن الأفلام الروائية. له سحره، له مذاقه، له الدراما الخاصة به، إن أفضل الأفلام التسجيلية تلك التي تشعرك بأنك واحد من تلك الشخصيات، تدخلك كمتلقي إلى جسد الشخصية تغوص فيها، تشعر بنجاحها، تسقط لاحباطاتها ، تتكون مع اكتمال صفات شخصيتها، تلك الأفلام التي تشعرك بسحر الواقع وجماله علي الرغم من كآبته.

إن اللحظات الجميلة التي تميز فيلم “سلمى الطرزي” ليست قوة الشخصيات فقط، ولا فطرتها، ولا هذا الطموح الجارف لطبقة تحت متوسطة لديها هدف  للظهور، للتواجد، للبحث عن نفسها، ليس كل هذا فقط، بل هي تلك اللحظات التي تصور فيها واقعنا الفوضوي الجميل، الواقع التحتي الذي تُنسيه المزيكا لحظات الضعف والفقر والتهميش، في الشارع نشاهد شباب كثيرون في وسط مناطق شعبية ومعظمنا من أبنائها، وقد ظهرت تجري علي وجوههم ألوان أضواء الحفلات ، السعادة تغمر الوشوش، وسط صرخات الشباب وقت الرقص، وقت سماع الأغاني والموسيقى، كان للشوارع  معنى للحياة، لقطات الرقص حالة فوضوية جامحة، جائعة للنهوض، للتعبير عن نفسها، لقطات شديدة البطء لأنها ستنتهي سريعا.

إن “أوكا وأورتيجا” أحد هذه الشخصيات من الشارع التي استطاع صوتها أن يعلو، إن الموسيقى هي واحدة من الأشياء الجميلة القادرة علي إخراج الروح الإيجابية من الأجساد، تخرج الحياة والسعادة من اليأس والانعدام، إن موسيقى المهرجانات جزء منهم، كانت في تكوينهم من الأساس، إنها مهارة مكتسبة، إنها اكتشاف وليست اختراع.

ارتقى هذا بالفيلم من مرتبة الفيلم الوثائقي للفيلم التسجيلي وشتان بين الاثنين، إنه ليس توثيقا للواقع، بل محاولة الارتقاء بالواقع إلى حيز أفضل وأرقى، إلى  لحظات أكثر شاعرية.

أوكا، أورتيجا، وزة ! لماذا؟

شخصيات الفيلم الأساسية هي أوكا وأورتيجا ووزة، نعيش معهم أكثر من ساعة تقريبا، “سلمي الطرزي” كان لها رؤية من البداية.

كانت تري تلك الأغاني وتلك الموسيقي علي أنها ليست شيئا عابرا، بل هي شيء أصيل خارج من طبقة تعيش فيها معظم مصر ولذلك ستبقى؛ فنحن نبدأ من مجموعة من ثلاث شخصيات مازالوا يتحسسون خطوات الظهور، شخصيات بسيطة، عفوية، لديهم إيمان غريب ووعي كبير بموسيقاهم، دائمي التنظير عليها بشكل عميق وبسيط، يقارنون بينها وبين أنواع موسيقى أخرى، يعرفون أنها خارجة من طبقة وليست من أشخاص.

كان هذا مفاجئا لي تماما، لديهم رؤية كبيرة لتلك الموسيقى، طموح كبير لها، ولديهم رغبة في نشرها والتعبير من خلالها عن مواضيع تخصهم وتخص ذلك المجتمع الكبير الذي يعيشون فيه و يعتبرونه جزءا كبيرا منهم و يرتبطون به، هذا بالإضافة إلى أنهم شخصيات خفيفة الظل في حديثهم عن يومهم، مرحين جدا، و تلقائيين لأقصى درجة، هذا كان له أثر  إيجابي في الفيلم، هذا كان كافيا لإيصال الفيلم سريعا لمشاعر وإحساس المتفرج.

بناء الفيلم

عندما تجلس في غرفة المونتاج بعد انتهائك من تصوير عدد كبير من الأيام في الفيلم التسجيلي يكون السؤال الأهم، حسنا من أين سأبدأ؟

تحاول بناء دراما وتدرج للشخصيات، وتعريف للشخصيات وتوضيح لأمور تبني مشاعر بين شخصيات الفيلم والجمهور، لكن في وسط ذلك، مع عملية البناء في هذا الفيلم كان هناك شيء درامي  يسقط بالتدريج، علي الرغم من أن الانتقال بين المواضيع واللقطات عن طريق المونتاج كان جيدا، لكن بشكل عام كانت هناك أشياء تسقط في البناء وفي دراما الفيلم.

إن شخصيتي أوكا وأورتيجا كانت تظهر فيهما تلك الروح القوية التي تتباعد لأعلي نحو الظهور والارتفاع، هذا كان ظاهرا مع بداية الفيلم عن طريق الحفلات التي كانا يقدمانها، والأفراح، لكنك تتساءل بعد نهاية الفيلم. ما هي القصة التي وصلنا إليها إذا قالت إحدى الشخصيات في نهاية العمل أننا الآن (متسيطين) لكننا لم نرتق للنجاح بعد!

لذلك فإن الحديث عن أن الفيلم هو رحلة صعود ونجاح أوكا وأورتيجا من وجهه نظري قاصر وغير صحيح، ونحن هنا نتحدث عن الفيلم وقصته، ليس الواقع الذي وصلنا إليه الآن.

شخصيات الفيلم من المفترض أنها شخصيات ذات بناء نفسي مختلف، لهذا فهي كأي شخصيات تحتوي الخير والشر وحب النفس وحب الغير بدرجات، حب الظهور والتضحية من أجل الآخر، كل بقدره وحسب شخصيته، شخصية وزة كانت الاستفهام الأكبر، تتساءل في نهاية الفيلم، لماذا تركوا وزة ؟ ماذا فعل ليتركوه ويفضلوا عليه شخص أخر جديد ؟ حتى ما دار بينهم في مشهد السيارة الأخير الذي تشعر فيه بأننا اكتفينا من ذلك الفيلم وعلينا أن ننهيه بسرعة.

الشخصيات تشعر أنها مازال لديها طاقة، مازالت في منتصف الطريق، والآن يتركون شخصا دون مبرر درامي كافٍ، غير أنهم  لم يتشاجرا – أعني اوكا و أورتيجا – بكثرة هكذا قبل ظهور وزة.

ولكنك فعلا لم تر أي شيء يدل علي أن “وزة” قام بأي عمل لتكون ردة الفعل تجاهه هكذا! لا يمكن أن يكون ذلك لأن وزة عبّر عن رأيه الفني في أوكا و أورتيجا بشكل صريح! وهل سيكون “شحته” العضو الذي سينضم حديثا لأوكا وأورتيجا موجودا إلى الأبد؟ لأن أوكا يحبه ويتقرب إليه؟! أعتقد أن هذا كان فيه مشكلة درامية،  لأننا خرجنا من حيز التسجيل إلى حيز الفيلم ومفهومه، هذا ما كان يميز الفيلم منذ بدايته، ثم هبطنا بشكل مفاجئ إلى مرتبة التوثيق اللحظي وتركنا التقييم للجمهور .

كان يمكن أيضا للمخرجة “سلمى الطرزي” أن تتدارك ذلك بوجودها في الفيلم، وهو شيء من الممكن أن نتحدث عنه بتفصيل أكبر

أن تواجد “سلمى” كان جيدا جدا شعوريا، وليس فعليا، تتحرك بكاميرتها دائما، موجودة في كل موقف، قريبة منهم للغاية، أحيانا تتحدث إليهم من خلف الكاميرا، تشعر أنهم مرتاحين إليها، يتصرفون بطبيعتهم أمامها، هناك لقطة في الثلث الأخير للفيلم تتحدث فيه “سلمى” إلى الوافد الجديد “شحته” الذي أصبح الآن واحدا من فريق أوكا وأورتيجا الأساسيين وتقول له “ياشحته عرفنا إنت انضميت لينا ليه لأنك وافد جديد علينا”، إن استخدام تلك التعبيرات الجماعية التي تربط “سلمى” بالمجموعة، تشعر من تلك الكلمات أنها واحدة منهم، بل إنها تعتبر نفسها وصلت لحيز أكبر مما تشعر به في داخلك، أعتقد أنني كنت أحتاج إلى رؤية هذا التطور الخفي، أعتقد أنها هي الأخرى تطورت كثيرا أثناء الفيلم،كانت التجربة جيدة جدا بالنسبة لها في الكثير من مواقف حياتها، قد أكون علي تمام التأكد من أنها فكرت بهذا كثيرا، قد أكون مخطئا حين أقول أنها ربما نسخة العرض التجاري و اضطرت لحذف بعض المشاهد، مشاهدتي لتطور “سلمى” الجيد من خلال دراما الفيلم، وتشبيك العلاقات بشكل أفضل، يشي بأنها كانت قادرة علي ذلك.

في وسط ذلك البناء وتلك الشخصيات كان هناك شيء جيد دراميا، كان مثارا بشكل كبير، وتم التركيز عليه بوضوح، هو فكرة استغلال من حولهم لهؤلاء الشباب ولموسيقاهم، محاولة استغلالهم إلى أقصى درجة بشكل يفضح تلك الشخصيات (الموزعين، أصحاب الحفلات، الاستوديوهات، المطربين الشعبيين المشهورين) الكل يريد استغلال عدم خبرة هؤلاء الشباب ليزداد هو نجاحا، وذلك الخط الدرامي كان مرتبا بشكل متوافق مع تدرجات الصعود بالنسبة لأوكا وأورتيجا ووزة.

كما كان هناك وضوح لذكاء تلك الفطرة التي فيهم، ولهذا الوعي الغريب الذي يجعل أوكا دائم التنظير  و المقارنة بين موسيقاه وموسيقى أشخاص فقدوا ذلك الإيمان ناحية الموسيقى التي يقدمونها، لابد أن أعترف أن هذا الوعي كان بالنسبة لي مفاجأة.

هناك شيء آخر متعلق بشكل الفيلم هو أن هناك ٣ أغنيات للمهرجانات، والتي قام أوكا وأورتيجا بتقديمها للفيلم و هذا كثير جدا في فيلم، خصوصا أنه لن يعرض كثيرا، ولم يستغل ذلك في الدعاية الخاصة به.

أقصد أنه حتى من الناحية التجارية لم يتم الاستفادة من ذلك، فلماذا كل هذا العدد من الأغاني؟ خصوصا مع قصر زمن الفيلم نوعا ما، وبالتالي أعتقد أنه كان من الأفضل إعطاء مساحة أكبر للموضوع .

ولابد أن أسجل أن اختيار اسم الفيلم لم يكن جيدا، حتى وإن كان  يحمل اسم أحد أشهر أغاني أوكا وأورتيجا.

التصوير

اللقطات في التصوير كانت قريبة، مرتبكة، راقصة، تواجد الكاميرا كأنها واحدة من شخصيات الفيلم، وهذا حقيقي، لم أشعر في أي مشهد بأنهم يتحدثون إلى الكاميرا بل كانوا يتحدثون إلى “سلمى”

استطاعت كاميرا “سلمى الطرزي” التأقلم السريع مع شخصيات الفيلم، شعروا أن الكاميرا واحدة منهم، يمارسون حياتهم اليومية أمام تلك الكاميرا بشكل طبيعي جدا، وليس الأمر متعلقا بأبطال الفيلم فقط، بل بأهل منطقة أوكا وأورتيجا، وكذلك في الحفلات حتى أنها أصبحت تطغى علي الشخصيات التي لا يعرفونها؛ فبدأوا يتعاملون مع كاميرا “سلمى” علي أنها جزء منها تماما.

الشيء الوحيد الذي يعيب الموضوع هو عدم جودة الصورة كصورة، هناك عدة أسباب قد تكون متوفرة، لكن أعتقد أن “سلمى” كان يجب أن تصور بنفسها كثيرا، هذا أحيانا كثيرة يكون عاملا مشتركا في كثير من الأفلام التسجيلية التي تعتمد علي تواجد المخرج بشكل كبير وملازم للكاميرا.

التوزيع

هناك بعض الملاحظات أعتقد أنها مرتبطة بفكرة التوزيع.

هناك علامة استفهام كبيرة في توزيع هذا الفيلم، أولا تم إنتاج هذا الفيلم وكان عرضه الأول في مهرجان دبي ديسمبر  ٢٠١٣

تم عرض الفيلم تجاريا في أواخر شهر أبريل ٢٠١٥ أي بعد سنة ونصف تقريبا من الانتهاء من الفيلم، هذه ليست المشكلة،  ففي مصر أفلام تنتظر سنتين للعرض لمدة أسبوع في السينمات،

لكن هذا الفيلم تم عرضه لمدة أسبوع واحد، وبعدد ٤ سينمات في القاهرة، وسينما واحدة في الإسكندرية.

والسؤال الذي يجب أن يطرح، ما هو المطلوب من فيلم أكثر من ذلك ليكون قادرا علي العرض العام، ليس فقط أن تحصل على تصاريح وتدفع الغرامات، بل أيضا لابد أن توافق السينمات علي عرض الفيلم عندها.

لا يوجد أحد يستطيع إجبار السينمات علي ذلك، والعجيب هو أن الفيلم جيد، و تجاري، وأعتقد أن أي شخص يمكن أن يشاهده، الأبطال شخصيات معروفة ومقربة لمعظم فئات الشعب، لماذا لم يتم توزيع الفيلم جيدا؟

الدعاية للفيلم كانت سيئة، كان من الممكن أن تكون أفضل من ذلك بمراحل و تجذب عددا أكبر.

أخيرا، برغم كل شئ، أود أن  أحيي “سلمى الطرزي” التي أجادت إلى حد كبير في إخراج فيلم جيد جدا في موضوعه، وتناولته برؤية جيدة.

تریلر

2018-05-26T04:15:03+00:00

Leave A Comment