اللون الأزرق… الرحلة الأبدية للحياة.

اللون الأزرق… الرحلة الأبدية للحياة

كتب  :محمود راضي

 “اللون الأزرق” فيلم قصير للمخرج مصطفى يوسف.

هو واحد من تلك الأفلام التي تحاول في جوهرها الإمساك بجوهر الحياة، وأن تتبع مسارها الأزلي، وتكشف عن القوى غير المنظورة التي تقوم بتسييرها، ذلك من خلال سردية تقوم على أضلاع ثلاثة تتنوع في الحكايات التي تحملها، وتتفق فيما بينها من حيث الحالة العامة التي يجسدها المخرج في الاستخدام شبه المقتصر على اللون الأزرق، وهو اللون الأوحد الذي يهيمن على كل تفاصيل الحكايات الثلاث التي تتداخل وتتشابك فيما بينها.

المميز في الأمر أن اللون الأزرق غير مفروض بشكل متعنت على قصة الفيلم، بقدر ما يستنطقه المخرج بكل بساطة من كل المكونات البصرية المحيطة بأبطاله الثلاث (مختار/سليم/ داليا) وعلى رأس كل هذه المكونات يأتي البحر؛ ليفرض سطوته وتكون له الكلمة العليا، ليس فقط لأن أحداث الفيلم تدور في مدينة ساحلية (الإسكندرية) بل لأن البحر عبر القصص الثلاث هو التشخيص البصري الواضح والمباشر للقدر، فمن ناحية، قد يمنح الخير لمن يبحر فيه باحثًا عن الرزق، أو لمن يبحث عن ضفاف أخرى يأوي إليها، أو لمن يحاول حتى أن يستشف منه المستقبل القادم الذي لا يعرفه، وفي الوقت ذاته قد ينقلب الأمر إلى النقيض التام، فأي خطوة غير محسوبة خلال الإبحار في البحر قد تكلف المرء حياته.

ربما يرى الكثيرون أن هذا الاستغلال الدرامي للوهلة الأولى قد يكون كلاسيكيًا ومستهلكًا أكثر من اللازم، لكنني على العكس أرى أن الأمر في أوله وآخره يعتمد على حس المخرج، وعلى طريقة التوظيف داخل الحكاية، وهو ما كان أمرًا موفقًا في هذا الفيلم.

وعلى الرغم من الشكل الفني للفيلم الذي يعتمد في أساسه على فكرة الربط الفائق بين مجموعة من القصص التي تبدو للوهلة الأولى متباعدة عن بعضها البعض، إلا أن المخرج يراوغ حول هذا الشكل ولا يقدمه بشكله الكلاسيكي، فيعمد إلى أن تأخذ حكايته شكلًا دائريًا يتوافق مع الطبيعة الأزلية للحياة والعلاقة المتصلة بين الحياة والموت، ومن خلال استخدام حيلة بسيطة باستغلال إحدى الجمل الختامية في القصة الثالثة الخاصة بداليا (دنيا مسعود) لتكون هي كذلك الجملة الافتتاحية للفيلم على مشهد البحر الذي يغمر الشاشة بأكملها.

في كل واحدة من الحكايات الثلاث، يتحول البحر إلى منبع ماثل وثابت ومهيمن في وجوده أمام شخوص الفيلم الثلاثة، ففي الحكاية الأولى يحاول مختار (سيد رجب) في ظل حالته المرضية وفي ظل كل هذا الكم من الضوضاء المحيطة به -التي تتحول جميعها إلى صوت فوضوي واحد- أن يصل إلى أنقى ذكرى له عن البحر البعيد الذي يحاول رسمه من نافذة منزله، لكن كل هذه الضوضاء تبعد الصورة عن مخيلته، وهو ما يتبدى في الاختفاء التدريجي خلال تذكره لإحدى حصصه في المدرسة، مما أدى إلى انفجاره غضبًا وغيظًا من كل المتسببين في تعكير هذه الصورة في ذهنه.

وفي الحكاية الثانية يحاول سليم (عاطف يوسف) السباح المحترف الذي يعمل في إحدى وحدات الغوص والإنقاذ، والذي لا يستطيع مقاومة شهوة الإبحار أن يذهب نحو حدود أبعد من تلك المعروفة لديه، وهو ما يتسبب في هلاكه.

أما القصة الثالثة الخاصة بـ(داليا) فربما تكون هى أكثر قصة تترابط من خلالها الخطوط الثلاثة، ذلك حينما ترى داليا الموت أمامها مرارًا وتكرارًا بسبب طبيعة عملها في إحدى المستشفيات، مما يجعلها تسترجع في ذاكرتها البعيدة أول ذكرياتها عن البحر، والتي كانت مرتبطة أيضًا بالموت حينما تتذكر موت أبيها.

إن “اللون الأزرق” من أفضل المشاريع السينمائية التي خرجت من قبل معهد السينما في السنوات الأخيرة بفضل تكامل رؤيته السينمائية والبصرية والسردية، والتي تعمل معُا على نحو متناغم لأبعد حد.

الفيلم

2018-07-01T14:09:55+00:00

Leave A Comment