السينما “المستقلة”…محطات الوعي

السينما “المستقلة”…محطات الوعي

كتب : علي حسين العدوي

بعد حرب الخليج الثانية (حرب الكويت) انحسر بشكل ملحوظ إنتاج الأفلام المعروفة بالأفلام الهابطة أو أفلام المقاولات، المعدة لتسويقها وتوزيعها وبيعها بالأساس في دول الخليج، ذلك بعد انسحاب الدولة تقريبا بشكل كلي من إنتاج الأفلام وتوزيعها تاركة المجال لشركات الإنتاج الخاصة الكبيرة، وشركات التوزيع، ليس هذا فقط؛ بل سنّت الدولة أيضا بعض القوانين التي تضيّق على إنشاء شركات إنتاج وتوزيع صغيرة بعد مبادرة بعض الفنانين ممثلين وممثلات مثل “ليلي علوي” و”ممدوح عبدالعليم” لخوض مغامرة الإنتاج. لكن على رغم من ذلك ظهرت بعض محاولات الفكاك من الأنماط التقليدية للإنتاج وعمل سينما مختلفة مثل أفلام بدايات “شريف عرفة” وسعيد حامد” ثم تجربة “أسامة فوزي” مع “محمود حميدة” في (عفاريت الأسفلت) و (جنة الشياطين).

فيلم جنة الشياطين- إنتاج ١٩٩٩- صورة من موقع السينما

في أواخر التسعينات وصلت مصر الكاميرات الديجيتال، وتلقفها بعض خريجي معهد السينما وفنانون بصريون و قرروا أن يبدأوا شكلا إنتاجيا مغايرا بعيدا عن الدولة ووزارة الثقافة وأنماط الإنتاج السينمائي التقليدية لصناعة السينما، وبدأ مصطلح “السينما المستقلة” يظهر في الأفق كشكل إنتاجي مغاير أكثر حرية يحاول صانعو الأفلام من خلاله أن يصنعوا أفلاما بالشكل الذي يريدونه بعيدا عن سيطرة الدولة وشكل الإنتاج والتوزيع التقليدي النمطي.

سأحاول هنا  فهم تطور وعي السينمائيين المستقلين منذ ذلك الوقت، وحتى الآن. تخيلوا معي خريج معهد سينما في ذلك الوقت يتطلع إلى صناعة أفلام مختلفة عن السائد تقديمها. أعتقد أنه أمام أحد خيارين؛ الأول: أن يدخل صناعة السينما بشكلها التقليدي، يعمل كمساعد فترة، ثم مخرج، ويحاول إقناع منتج بفيلمه، أو يعمل في إخراج الإعلانات حتى يكوّن شبكة علاقات يستطيع منها إقناع أحد المنتجين بفيلمه، أو الخيار الآخر أن يتجه إلى الديجيتال ويبدأ سكة إنتاج جديدة. السينما في رأيي صناعة تحتاج ميزانية وفريق عمل لإنجازها، وهذه هي التحديات التي كانت أمام المستقلين ساعتها، حيث بدأوا بالتفكير في عمل أفلام قصيرة لا تحتاج ميزانيات ضخمة، كذلك اعتمدوا على مناخ الاستقلال في الفنون والثقافة، حيث اعتمدوا  على ممثلين شباب مبتدئين في فرق مسرحية مستقلة هي الأخرى وليس على أسماء نجوم مشهورة عالية الأجر، أيضا اعتمدوا على مساعدات بعضهم البعض، ومساعدات أصدقائهم في بناء فريق عمل الأفلام و بالأساس كما أسلفت اعتمدوا على الكاميرا الديجيتال.

عام 2001  خرج فيلم (اللمبي) للنور بعد بداية موجة أفلام كوميديا مثل (إسماعيلية رايح جاي) وصعود نجم “محمد هنيدي” في (صعيدي في الجامعة الأمريكية) و”علاء ولي الدين” في (الناظر) و بدأ عصر احتكار إنتاج وتوزيع السينما، وسينمات المولات متعددة القاعات، و مصطلحات من قبيل (سينما العائلة) و(السينما النظيفة من القبلات والأحضان أو أي مظهر من مظاهر الحميمية). في هذا العام أيضا خرجت للنور شركة سمات (سينمائيون مستقلون للإنتاج والتوزيع) كأول تجمع سينمائي مستقل يؤسس لنمط إنتاج سينما مغاير وبديل، يعتمد على منح دعم وتمويل أجنبي، يصنع أفلاما روائية وتسجيلية قصيرة تعرض في المراكز الثقافية الأجنبية أو المستقلة، وتشارك في مهرجانات دولية.

في هذا الوقت و علي خلفية انسحاب الدولة والنظام السياسي المصري وقت مبارك من الثقافة والفنون، والاكتفاء بدور الرقيب، والتوجه نحو اقتصاد السوق، وتوافقا مع سياسات البنك الدولي، وصندوق النقد، واتفاقيات التجارة الحرة والعولمة، وحرية الاتصالات والرغبة في الظهور بالمظهر الديمقراطي، كان كل ذلك مفيدا في بداية انفتاح واتصال حقيقي بالعالم عن طريق شبكة الانترنت، وتخفيف الرقابة على الكتب المستوردة، وظهور مكتبات على النسق الأمريكي العولمي (مثل ديوان) بها كتب اجنبية و مترجمة، وتبيع أفلام و موسيقى من العالم، وكذلك تدّرج سهولة وسرعة الاتصال بالانترنت التي تتيح مشاهدة أفلام وموسيقى وكتابات ومعلومات عن السينما في العالم وأشكالها المختلفة.

بعد عطش كبير للتعبير عن الذات و الأفكار و المشاعر، أصبح هناك مساحة للتعبير بالكتابة على المدونات، ومراكز ثقافية ومسارح لفرق وعروض الحكي، والموسيقى والغناء ومسرح الشارع، ومظاهرات صغيرة العدد في ميادين وسط البلد وعلى سلالم نقابة الصحفيين، وأفلام روائية وتسجيلية بكاميرات ديجيتال او عن طريق كاميرات موبايلات تتطور بشكل سريع.

جيل الثقافة المستقلة الذي بدأ يتعرف على بعضه البعض عن طريق المدونات وغرف الـ chat  على الانترنت يكتب ويتناقش عن موسيقى وأفلام يراها في مراكز ثقافية مستقلة، أو المراكز الأجنبية، ثم بدأ يتعاون على مشروعات أفراده الفنية والثقافية والسياسية، هذا الجيل أشعل ثورة يناير فيما بعد وشارك فيها بكل طاقاته.

في تلك الأثناء، بدأت (سمات) بإنتاج أفلام قصيرة روائية وتسجيلية لعدد من السينمائيين من جيل التسعينات، خريجي معهد السينما، غلبت على مضمون أفلامهم روح شاعرية ذاتية مفعمة بالاغتراب عن قسوة الحياة في مدن بلد راكد حد الملل سياسيا، ومفكك اجتماعيا، لا يعوزها إلا العدمية واللامبالاة والكد والاجتهاد في البحث عن خلاص شخصي لتمضية الأيام.

كانت تلك الروح منتشرة في كتابات التسعينيات شعرا ونثرا، واستمرت بشكل أو بآخر في كتابات العقد الأول من الألفينات، وتسربت بشكل هادئ وطبيعي إلى السينما المستقلة وصناعها وقتها. كان التفكير في إنشاء صناعة سينما بديلة يحتاج مؤسسة لتعليم صناعة السينما، كذلك منبر نقدي للأفلام المنتجة، وكذلك أماكن للعرض للتواصل وبناء الجمهور؛ فبدأت مدارس الجزويت للسينما في القاهرة والإسكندرية، وظهرت مجلة ( نظرة) للكتابة ونقد الأفلام المنتجة، وفتح النقاش حول قضايا السينما البديلة.

على الرغم من أن القائمين على مدارس الجزويت في القاهرة والإسكندرية لم يسيّدوا -بشكل تعسفي-  ذوقهم الفني و الجمالي والسينمائي، وذلك بشهادة الدارسين، إلا أن مشاريع التخرج والأفلام الأولى لخريجي الجيزويت من الدفعتين الأولى والثانية –باستثناءات بسيطة مثل “مارك لطفي” و”عماد ماهر” فيما بعد في الإسكندرية- كانت في معظمها تعبيرا ذاتيا عن نفس حالة الاغتراب، وأعتقد أن ذلك مفهوم جدا في سياقه بمعنى أن حالة الاغتراب كانت قدر الأغلبية في مصر في تلك الآونة، ما حاوله ذلك الجيل هو التعبير بصدق عن تلك الحالة التي بالضرورة لها استثناءات في ظل أوضاع الحياة المتردية في مصر في كل النواحي، فكان هناك أفلام ذات صوت عالٍ في مواجهة الفساد وانتقاد السياسة والمجتمع. كان الانشغال على مستوى الصنعة كميا بالإنتاج نفسه؛ بإنتاج أفلام و التجريب والمغامرة في إنتاجها كأولوية حتى لو كان ذلك على حساب الجودة الفنية في الصوت والصورة، والاستثناءات الملفتة قليلة مثل تجربة “محمد صلاح” عندما أخرج فيلمه الطويل (جزر) بميزانية فيلم قصير. لم يلتفت النقد في مجلة نظرة والصحفيين والكتاب المهتمين بالسينما الجديدة البديلة من حيث تحليل الأفلام وتفاصيلها ومدى جودة صناعتها وانحيازاتها الفنية والجمالية؛ لنجد جهدا نظريا ونقديا يدشن بشكل حقيقي لحركة سينمائية مغايرة بالفعل عن سياق السينما التقليدي في مصر. في تصوري أن سبب ذلك هو أن المناخ العام السلطوي القمعي يجبر الجميع على تسييس كل شي؛ فيتم الاحتفاء بالسينما المستقلة وكل شي تقدمه –كالاحتفاء بالتدوين مثلا أيا كان محتواه-  وكل ما تنتج لمجرد أنها تصنع خارج الدولة.

 

لقطة من فيلم سنترال – إنتاج سنة  2006

كان فيلم (عين شمس) أحد تلك الأفلام ذات الصوت العالي والذي -في رأيي- أثار جدلا مفتعلا لكنه كان هاما ومفيدا في مواجهة الرقابة والرقيب الناقد “علي أبو شادي” / أحد أفضل من تولوا رئاسة الرقابة على المصنفات المصرية في تاريخها.

مخرج الفيلم “إبراهيم البطوط” كان يعمل مصورا للحروب والكوارث، وعاد إلى بلده مصر. إذا هو خارج دوائر السينما السائدة والمستقلة في مصر لكن فيلمه (عين شمس) يعتبر أول فيلم مستقل طويل يعرض في السينمات التجارية للجمهور، وأعتقد أن هذا الحدث كان بمثابة نقطة تحول كبيرة في مسار صناعة السينما المستقلة ووعيها، حيث أنه فتح سكة جديدة للفيلم المستقل، وإمكانية عرضه عرضا كبيرا واسعا لجمهور مختلف عن الجمهور التقليدي للمراكز الثقافية.

فيما يخص التمويل، في تصوري أن السينما المستقلة استفادت من مناخ السلطوية والقمع السياسي وقت مبارك. فجهات التمويل والدعم الأجنبي كانت تعمل وفق رؤية مشابهة جدا لرؤية المهرجانات الدولية الكبرى مثل (كان) وغيره –شديدة الاستشراقية– والتي تحتفي بكل أشكال التعبير من دول العالم الثالث “الغريبة exotic” المتخلفة، المقموعة، المستبدة (كصرعة الاحتفاء بالسينما الإيرانية في مجملها والذي لا ينفي وجود تجارب جيدة بالطبع) دون الاهتمام بجودتها كثيرا، هكذا تم دعم الكثير من الأشكال المختلفة والتجريبية في مسار السينما المستقلة، كما تم دعم ما يسمي بـــــــ “سينما الموبايل” و ورش تعليمها و مهرجاناتها؛ مما خرّب تصورات البعض عن السينما. سينما الموبايل بالنسبة لي تعد التجلي الحقيقي الأول لفكرة (ديمقراطية الوسيط) فبعد شعار “المحمول في يد الجميع” تطور إلى شعار ” محمول بكاميرا في يد الجميع” بما يعني أنه تلبية صادقة للاستهلاك، لكن ليس بالضبط؛ فهو تلبية أيضا لهوس التوثيق بعدما أصبحت فكرة الناس عن الواقع عموما في العالم أنه هو كل ما يصوّر، كل ما يذاع على شاشات التليفزيون أو أي وسيلة إعلام، وبعد 2005 أصبح في حياتنا كأفراد ما يمكن توثيقه، ما نشعر أننا سنرغب في تذكره بعد ذلك، أصبح هناك مظاهرات واحتجاجات واعتصامات وحفلات ونقاشات. كل ذلك هام وجميل، كاميرات الموبايل وسيط ديمقراطي بالفعل لمن يملكها،  لكن ما تنتجه لا يصنع سينما.

كاميرات الموبايل رغم تطورها المتجدد لا تستطيع أن تصنع أفلاما قصيرة وطويلة جيدة الصنعة، تعرض على شاشات كبيرة في قاعات سينما، كما كان يروّج لها حينما بدأت الفكرة في مصر. لكن الموبايل كما هو متعارف عليه في العالم يصنع فوتوغرافيا، يصنع تقارير صحفية، وفنيا يصنع فيديوهات تعرض على شاشات صغيرة وخاصة، ويقام لها مهرجانات، لكن لا يوجد في العالم من يسمي ذلك سينما، على عكس كاميرا الديجتال وقدراتها المتطورة دائما، والتي تصنع أفلاما جيدة تفي بالحد الأدنى من جودة الصورة لكي تعرض على شاشات العرض الكبيرة.

بعد ثورة يناير أعتقد أن السينما المستقلة وصلت إلى نقطة التحول الأهم، فبعد المشاركة الفعالة للسينمائيين في الثورة أصبحت فكرة الجمهور والناس والسعي إلى صنع أفلام يراها الناس؛ كل الناس في السينمات فكرة أساسية ورئيسية، كما أدى إنشاء استوديوهات سينما أصبحت شركات صغيرة فيما بعد تعمل بشكل احترافي بين البرامج والإعلانات والسينما التجارية، وبين السينما المستقلة لكي تصل إلى بدايات مرحلة الاحتراف في الصوت والصورة وكافة مهام فريق العمل السينمائي من إنتاج ومونتاج ومراحل أخرى وظهور منتجين وموزعين لأفلام السينما المستقلة.

كما أدت إتاحة الأفلام وسهولة الحصول عليها عن طريق الإنترنت، ومشاهدة أفلام متنوعة وعمليات إنتاجها والاحتكاك في ورش ومهرجانات إلى وصول السينما المستقلة تقريبا بشكل عام إلى انحياز جمالي واضح للصورة، وسرد الأفلام اعتمادا على الصورة بشكل أساسي، وبداية تنوع مواضيع ومضامين وأنواع الأفلام، نجد ذلك جليا واضحا في فيلمي (الخروج الى النهار) و(أوضة الفيران) واللذين يعدا تجربتين هامتين ملهمتين في التمويل والإنتاج كذلك، بالنسبة للعرض أصبحت لدينا أفلام تسجيلية طويلة (يهود مصر) تعرض في السينمات، ودار عرض تتيح مساحة كبيرة للأفلام المستقلة و البديلة والفنية مثل زاوية.

أثناء الإعداد والتفكير في كتابة هذا المقال كنت أتخيل أني سأبدأ من ثورة يناير كنقطة انطلاق، أحاول من خلالها

قراءة وفهم ونقد وعي السينما المستقلة منذ بداية ظهور المصطلح، وهذا ما حاولت عمله بالفعل لكن ليس على

طريقة لماذا لم يحدث ذلك منذ البداية؟ لكن عن طريق محاولة قراءة وفهم ما حدث في سياقه التاريخي المصري العام

وصولا لفهم النتيجة من خلال الجيل الأخير للسينما البديلة، الذي -في تصوري- اقترب بشكل كبير من وعي السينما كفن وصناعة وتجارة حتى ولو كانت مستقلة. ربما أيضا هناك جزء آخر من الحقيقة علينا محاولة الاقتراب منه وفهمه.

هامش الهامش، أو التجلي الأخير لديمقراطية الوسيط، أو لماذا نحب “موني”؟!

2018-05-26T04:24:41+00:00

Leave A Comment