السينما المستقلة…اقتفاء أثر البداية.

السينما المستقلة…اقتفاء أثر البداية.

كتب :علي حسين العدوي

مقدمة لابد منها :-

أعتقد أننا عندما نتحدث عن “سينما مستقلة” فإننا لا نتحدث عن الاستقلال في الانحيازات الفكرية والسردية والبصرية والجمالية في صناعة الأفلام؛ لأن هذا الشكل من الاستقلال -والذي يمكـِّن صانعو الأفلام من تقديم ما يريدونه من خلال أفلامهم- ظل موجودا على مر تاريخ السينما منذ بدايتها في مصر والعالم وحتى الآن عبر أنماط  إنتاج وتوزيع السينما التقليدية المتعارف عليها. إذن فنحن عندما نتحدث عن “سينما مستقلة” فنحن نتحدث عن الاستقلال في الإنتاج بالأساس؛ أي طرح نمط إنتاج بديل ومغاير لما هو مستقر ومعروف.

جاءت ” السينما المستقلة” كنمط إنتاج مغاير وبديل تتويجا لتاريخ من المراوغة والتحايل من قبل السينمائيين مع كيانات الإنتاج والتوزيع أفرادا وشركات، أو مع مؤسسة السينما إبّان عصر التأميم وحكم عبد الناصر من جهة، والرقابة من جهة أخرى، عن طريق إقناع نجوم السينما بالأفلام، والاستعانة بهم مثلما فعل جيل الواقعية الجديدة ومن قبلهم جماعة السينما الجديدة،  أو مثلما فعل يوسف شاهين وتلامذته ولجأوا لصيغة الإنتاج المصري الأجنبي المشترك.

البدايات

نستطيع أن نقول أن بداية السينما المستقلة باعتبارها نمط إنتاجي مغاير وبديل يعتمد على تقليل تكاليف الفيلم هو التجربة الملهمة للمخرج سيد عيسى عام 1967 عندما قدم فيلمه “جفت الأمطار” بطولة شكري سرحان و سميحة أيوب و سهير المرشدي، وقام بتصويره في قريته “بشلا”  التابعة لمركز ميت غمر دقهلية بتعاون ومساعدة أهل القرية من فلاحين وطلبة، الفيلم عن قصة لعبد الله الطوخي، وساعد رأفت الميهي المخرج سيد عيسى في كتابة السيناريو والحوار ليصنع أول فيلم مستقل روائي طويل مصري.

صورة أفيش فيلم جفت الأمطار إنتاج سنة ١٩٦٧- المصدر موقع “السينما”

ثم تأتي التسعينات ويظهر الوسيط الديمقراطي -على حد تعبير الناقد والسينمائي محمد ممدوح – الكاميرا الديجتال و التي تعد العمود الرئيسي الذي تقوم عليه صناعة وتصوير الأفلام المستقلة. كان حاتم فريد المخرج السينمائي أول من تلقف تلك الكاميرا وهو العائد لتوه من كاليفورنيا حيث كان يدرس كل ما يتعلق بصناعة السينما في معهد بروكس.

انتهى حاتم فريد من تصوير مشروع تخرجه “حبة سكر” عام 1998 والذي يعد أول فيلم طويل مستقل يعتمد في تصويره على كاميرا ديجتال، قام بعرضه في إحدى قاعات سينما رنيسانس في عرض خاص حضره الكثيرون من المثقفين والفنانين والإعلاميين والمهتمين ومحبي السينما في يونيو عام 2000. تدور أحداث الفيلم حول مجموعة من الشباب أعمارهم بين‏ 18‏ إلى ‏30‏ سنة تحت تأثير النبوءة بنهاية العالم علي إثر كارثة متمثلة في عاصفة رملية غير مسبوقة ليلة‏31‏ ديسمبر‏2000‏، ومن خلال تجمعهم في تلك الليلة يروي كل منهم مشكلاته الفعلية بصراحة عادية تحت وطأة قدوم النهاية وشعور كل منهم بوجوب أداء دور خلاق في الحياة بدلا من الاستسلام لسلبية الاكتفاء بالتفرج والنقد لما يجري حولهم.

في عام 1999 قام يسري نصرالله بتصوير أجزاء فيلمه “المدينة” -والتي تخص القاهرة- عن طريق كاميرا ديجتال، واستكمل مشاهد فرنسا بخام سينما عادي.

ووفقا لرامي عبد الرازق –الناقد السينمائي–  أن محمد خان حضر  حفل تخرج طلاب دفعة 2001 من معهد السينما بالمسرح الصغير بالأوبرا  -والتي ضمت أسماء كثيرة سوف تغرق بعد سنوات قليلة من هذا التاريخ كل رؤوس مواهبها في مستنقع السينما التجارية مشاركة في دفق الماء فوق مزيد من التراب كي يتكاثف الوحل-  يومها قدم خان تصريحا بدا غريبا وجريئا لكنه بعد أعوام قليلة صار مفهوما وواضحا حين قال: (أحب أفكر ولادنا المخرجين الجداد إن فيه حاجه اسمها الديجيتال) بالمناسبة كانت الدفعة تضم نادين ابنة خان أحد أبرز وجوه التيار المستقل حاليا بتجربتها المتوهجة “هرج ومرج”.

عمل محمد خان على فيلمه “كليفتي” منذ العام 2001 وحتى العام 2004، والذي قام بتصويره عن طريق كاميرا ديجتال بميزانية صغيرة ومتواضعة، معتمدا على ممثلين صغار في ذلك الوقت؛ باسم السمرة ورولا محمود. الفيلم عرض على شاشات التليفزيون ولم يعرض في قاعات السينما.

كذلك في تلك الأثناء قام خيري بشارة بعمل فيلمه “ليلة في القمر” عام 2003، وعرض في السينمات عام 2008 لمدة قصيرة جدا، معتمدا على ميزانية صغيرة رغم النمط الإنتاجي التقليدي، و قام بتصويره عبر كاميرا ديجتال أيضا.

ترسخ استخدام كاميرا الديجتال أكثر وفي مارس عام 2005 انتهى إبراهيم البطوط  –مصوّر الحروب والكوارث العائد لبلده مصر- من تصوير فيلمه الطويل المستقل الأول “إيثاكا” بكاميرا ديجيتال بدون نجوم، وبتمويل شخصي، وعرض في المراكز الثقافية عام 2006.

في أعدادنا القادمة:-

  • السينما المستقلة .. بدايات أخرى
  • أولى شركات انتاج السينما المستقلة
  • مؤسسات تعليم السينما المستقلة
  • حكاية أربعة مخرجين

 

2018-05-26T04:26:47+00:00

Leave A Comment