الخروج للنهار

الخروج للنهار

كتبت: ياسمين أكرم

من اللحظات الأولى في الفيلم تُدخلنا مخرجة الفيلم (هالة لطفي) إلى عالم نعرفه جيدا ولكن لا نمتلك أدوات التعبير عنه،أو حكاية ندفنها في ركن بعيد من القلب، ككابوس مزعج يجب ألا تكرره الأيام أبدا .

أب يحتضر، وأم مُثقلة بالهموم، وفتاة بمرور الأيام تقل فرصها في التأقلم مع العالم. كل منهم يشعر بالذنب تجاه الآخر، الأب الذي يرفض الحياة بصمت حزين حتى يعجـِّل من موته وإراحة الجميع من أعبائه. نراه صامتا تائها طوال الفيلم، حتى أنه في بعض اللحظات يتسرب إليك إحساس بأنه غير واعِ بما يحدث من حوله، لكن سرعان ما يتبدد هذا الإحساس عندما تراه يرفض الدواء والطعام بإصرار، عندما تسمعه يتحدث لأول مرة فيقول لابنته: “نيميني” عند تعريضه لأشعة الشمس، تراه يفضل أن يعود مرة أخرى لفراشه المظلم؛ فالشمس التي تنعكس على وجهه أمل كاذب ولا حياة بها، و الظلام الذي يحيط به هو الحقيقة الوحيدة .

الأم وابنتها تتبادلان نظرات اللوم والعتاب طوال الوقت، الابنة تلوم أمها على عزلها عن العالم في محيط لا نهائي من البؤس،

الأم تستقبل تمرد ابنتها و رغبتها في الحياة كنوع من أنواع الأنانية والوقاحة، فنرى الحديث بينهما حادا مقتضبا، والاتهامات التي يوجهنها لبعضهن البعض بالنظرات مشوشة وغير صريحة، لأنها لا تستند على أي أساس من الصحة، لم تُذنب إحداهن في حق الأخرى، ولم يُذنب الأب في حقهن، كلها أمور خارجة عن إرادة وسيطرة أصحابها، تجمعهم في سياق حزين، حيث تنمو مشاعرهم الحقيقية للداخل، و ما يطفو على السطح نتاج عجز الثلاثة عن إيجاد شخص تُشار إليه الأصابع باللوم، فلا أحد يستطيع لوم الرب بشكل صريح، حتى وإن استطاع سيظل في حاجة لشيء مادي يتفاعل معه، يرد على نداءاته المتعبة، يحمل عنه أخطاءه التي ظن أنه ارتكبها، فلا إله يعترف بخطئه .

وراء هذا المشهد المألوف مشاعر عظيمة استطاعت هالة لطفي تجسيدها والإشارة إليها ببراعة، مشاعر الحزن والفقد وضعت شخصياتنا في مكعبات ثلجية، يصعب عليهم الوصول إلى بعضهم البعض، و من الممكن افتراض أن ما يجعل هؤلاء الأشخاص متصلين بشكل أو بآخر حتى الاّن هو ميراثهم من الحياة السابقة التي جمعتهم قبل أن يلفهم الموت بردائه الكئيب، أما في الحياة الحالية تعذر على كل منهم فهم الآخر و الوصول إلى أعماقه، الأب الذي اضطرته الظروف إلى الصمت يدرك أنه سبب رئيسي في معاناة ذويه، لكنه يجهل تفاصيل وأبعاد هذه المعاناة، الابنة تنظر إليه وقد سكت تماما وتـُكوِّن معه علاقة جديدة كغريب تتعرف عليه لأول مرة .

عجيب ما يشعر به أحدهم تجاه الآخر عندما يركن إلى الصمت، لا بد أنه يعتبره طفل، أو ميت .

الأحداث التى تدور في يوم واحد تحدث بإيقاع بطيء ممل مقصود، لا تُشعرك بأنه مجرد يوم واحد سيىء في حياة إحدى الأسر، بل أن الأيام تتشابك بشكل كابوسي وكأنها يوم واحد يأبى أن ينتهي .

يظهر هذا بوضوح من خلال بعض التفاصيل، رغيف الخبز اليابس، أثاث المنزل المتهالك، الهالات السوداء التي تظهر تحت العيون، كلها تفاصيل تشير إلى مجموعة من الأشخاص في طريقهم للموت وليس شخصا واحدا، المنزل نفسه يُشعرك بأنه في حالة حداد على أصحابه،  الشمس التي تدخله تكشف أكثر عن بؤسه و عن ليله الخاص .

تخرج الفتاة من المنزل و يخرج الأب و الأم، كل يذهب في رحلته الخاصة، الابنة التي تحاول الفرار من رائحة الموت، تخرج من عالمها القاسي إلى عالم أكثر قسوة، و لكنه يضج بالحياة، مليء بالامكانات والاحتمالات، متغير، لتجعلها هذه الرحلة أكثر خفة و تصالحا مع الظروف المحيطة، الأب يذهب إلى المشفى حيث يساعده أشخاص غرباء في الوصول إلى الجانب الآخر حيث ينتظره نهار حقيقي، الأم الحزينة تتصالح مع الموت، وتستعد أن تشهد عليه و هو يلتهم تفاصيل حياتها، لينتهي الفيلم بالأم والفتاة متقاربتان لأول مرة، و الفتاة تسألها و هي ذاهلة عن نفسها: “احنا ح ندفن بابا فين؟”

تريلر

2018-07-01T15:21:39+00:00

Leave A Comment