أحمد نبيل – 17 ش فؤاد – أن تكون ضد الزمن

أحمد نبيل – 17 ش فؤاد – أن تكون ضد الزمن

كتب :علي حسين العدوي

في 17 ش فؤاد، نجد رجلا عجوزا يجلس على كرسي قديم في محل أحذية قديم، ينظر نظرة جانبية على شارع فؤاد “الشارع الكبير” على حد تعبير كاتبنا الكبير “علاء خالد” من خلال باب ضيق.

سبيلنا الوحيد في الفيلم للمعرفة هو أن نرى الصورة، ونستشعر إحساس ذلك الرجل العجوز من خلال الجلوس الطويل الصامت، ربما في انتظار زبائن، أو التذكر أو التفكير عن أسباب للطمأنينة والمكوث في بلد غير مستقر يعيش تحت حظر التجوال .

لقطة من الفيلم

“نوبار” هذا اسمه الذي لا يخبرنا الفيلم عنه لكن نعرفه من ملخص الفيلم على إيفنت عرضه الأول على فيسبوك، في الفيلم فقط نرى أحذية “إدوارد”.

يذهب نوبار،كما يحكي، خصيصا للاطمئنان على أن الدبابات لازالت موجودة أمام البنوك التى يبدو أن من ضمنها البنك الذي يتعامل معه.

تشعر أنه يبحث عن أسباب للبقاء، لراحة البال في تلك المدينة، في ذلك البلد، وكأن لسان حاله يقول طالما أن البنك لازال بأمان يعمل، وهناك بعض المال، إذا فلنهدأ ونعيش.

يجلس نوبار يراقب من على كرسيه شارع فؤاد –آخر حصون الإسكندرية الكوزموبوليتانية– على خلفية صوت هدير السيارات التي تسير في الشارع كشريط صوت أساسي للفيلم يأتي من داخله.

شارع فؤاد ذاته كتمثيل لمدينة وحالة جماعية عامة، لم يقدر أن ينجو بجمال عماراته ومبانيه القديمة لأن فعل الزمن –فيما يخص المدن وشكل الحياة الجماعية– هو الأقوي، يحتاج لتجديد دائم لتصوراتنا عن الجمال والحياة، ومحاولات جادة للقبض والحفاظ على ذلك الجمال في مواجهة التحولات السريعة للزمن والمدينة ومتطلبات الواقع والحياة على أثر السيطرة المتوحشة لرأس المال. فنجد الكثير من الكافيهات والمطاعم –طبعة العولمة– ذات الحوائط الزجاجية التي تحفّز على الاستهلاك والتكلف والزيف احتلت جزءا كبيرا من مشهد الشارع، لكنها أيضا حافظت على العمارات والمباني الجميلة القديمة التي تحوي تلك الكافيهات.

الحياة والتاريخ الذاتي الفردي الشخصي يختلف، حياة “نوبار” تختلف، تبدو حياة “نوبار” كما نراها في الفيلم حياة ضد حركة الزمن، وضد الكليشيهات والمقررات والصور النمطية للأجانب، و ضد خطاب الكوزموبوليتانية الغربية الاستشراقية المهيمن على التاريخ الرسمي للاسكندرية  أو من تبناه من مصريين أو عرب.

نحن لا نرى “نوبار” كنموذج لذلك النمط، لا نرى الشخص المهندم المتحضر النظيف القياسي المعياري  الذي يتحدث 40 لغة، المعزول في طبقته وجاليته الذي يتحدثون عنه وكأنه خارج لتوه من كتاب لداريل أو هاري تزالاس.

بالنسبة لي، “نوبار” نموذج متجسد وتمثيل ضد كل ذلك. نرى إنسانا ابن سوق، صاحب محل أحذية، له من الطاقة والنشاط ما يكفيه ليصر على أن يعمل كل يوم صباحا ومساء والجمعة ( حتى 3 أو 4 مساء والحد فقط أجازة).. كما يقول ويفصّل في الفيلم.

لكنه أيضا يبدو بشكل طبيعي وحقيقي جدا  كأي ابن بلد إسكندراني مصري عجوز وكسول لا يعتنى بالهندمة الفائقة لملابسه، لا يقدر على تجديد شامل لمحله، ولا يقدر على تنظيف أكياس الشيبسي من أمام محله ربما بسبب الكسل؛ فيكنسهم للشارع، يعيش ضد الزمن، يسخر منه، يعلّق نتيجة قديمة في محله تتساقط منها أوراق الأيام؛ ليحسب عليها حساباته بمساعدة قلم جاف وعلب الجزم الكرتونية القديمة.

يشاكس زبائنه القدامى القليلين بعامية مصرية سليمة بقليل من التكسير الخواجاتي المحبب الطبيعي، ويشاكسونه كأصدقاء.

يجعلنا الفيلم باقتدار كبير نستغرق بحساسية عالية في حياة “نوبار” من خلال مشاهد طويلة نسبيا و قطع يحافظ على ايقاع هادئ يناسب حياة شيخ ، تأخذنا الكاميرا إلى أصدقائه في حوار ذكريات مراهقتهم وشبابه، بين سينمات الهمبرا وبلازا، وأفلام الكاوبوي والسيرك وهو يدير دفة الكلام في خلفية الصوت بخفة دم و مشاكسة، لا يأخذنا من هذا الاستغراق إلا لقطة “أحمد نبيل” لاستنطاق سينما بلازا القديمة المغلقة المهملة بمقطع من حوار فيلم أجنبي إمعانا وغرقا في بحر الحنين، على عكس ما يبدو من كلام أصدقاء “نوبار” الذي بدا متقبلا لفكرة إغلاق السينمات، وفيما يخص الوضع العام من خسارة السينمات الفادحة، وإتاحة الأفلام التى يحبونها على الفضائيات، وفجاجة “تبويظ البنات” في السينما المصرية الحالية!

من لم يقرأ ملخص الفيلم واكتفى بالمشاهدة ولا يعرف اللغة الأرمنية، سيرى اللغة على النتيجة في المشهد كلغة أجنبية، أقصد أنه قد لا يدرك أن “نوبار” أرمينيا؛ لأنه بالفعل يبدو كمصري سكندري، ربما يجيد أكثر من لغة، ويصر على العمل فيما يتقن ويحب، فيما يراه جميلا، في محل قديم، خشبه قوي وقديم، وعلب الأحذية قديمة، والموديلات قديمة كما نراها في لقطات جميلة من زجاج المحل القديم، تصلح للعواجيز أمثاله، لكنه يراها قوية ومتينة ومتقنة، تعيش طويلا وجميلة، يصر أن يعيش، يصر على الحياة، ضد الزمن، ضد التحديث، ربما لأن القديم أجمل،  يجلس على كرسيه، ينظر من بابه الضيق الصغير على الشارع الكبير ويتأمل وينتظر.

تريلر

2018-07-01T02:46:49+00:00

Leave A Comment